أقسام المدونة

Wednesday, 12 July 2017

شتات



بقلم "هبة الدعوشى" :

هل مرّ أحدكم بهذه الحالة من قبل ..
حالة من اللا شئ .. اللا شعور .. اللا اهتمام .. اللا رغبة 
حالة من الفراغ الداخلى التام .. وكأن جسدك أجوف بلا روح ..
حالة من الاحتياج لشئ لا تعرفه تحديداً .. ولكنك تشعر بأنه ينقُصك ..
حالة تتشابه فيها حولك كلُ الوجوه .. وتتشابه فيها جميع الكلمات ..
حتى أنك لم تعد قادر على التمييز بين من قال هذا ومن قال ذاك ..
تنسى كثيراً من الأحداث حولك .. لأنك من الأساس لم تكن منتبهاً لها جيداً ولا تعطيها تركيزك ..
رغم انشغالك بهذه الأحداث فعلاً .. إلا إن هذا الانشغال كان مجرد تعايش معها .. وليس عيشاً حقيقياً فيها !
يثقُل عليك الحديث .. الابتسام .. و رغم عبوس وجهك إلا إنه يثقُل عليك أيضاً البكاء !
تلجأ إلى الصمت طويلاً .. والانعزال كثيراً .. تفعل ذلك حتى وأنت مُحاط بالبشر ..
تشعر أنك وإن كنت حاضرٌ بينهم بالقالب .. فالقلب منهم فى سفـــــــــــــــــر ! 
لا تعلم تحديداً هل أنت مصاب أم طبيعى .. وإن كنت مصاب حقاً .. فبأىّ شيءٍ إذن ؟!
تشعر بأن الوحدة تحاصر روحك تدريجياُ من كل جانب  تماماً كصوت الكمان الحزين فى داخل مقطوعةٍ ما موسيقية ينساب بين باقى الآلات الآخرى  .. يتزايد تدريجياً بشكلٍ ملحوظ .. حتى ينفرد فى قلب قاعةٍ هادئة .. لا همس فيها ولا نفس .. فتكون له السيادة وحده .. ويشدو بصوته إلى اللاحدود ليشمل حتى ذرات الهواء المعلقة ..
هكذا تفعل الوحدة تماماً يا صديقى تدخل إلينا تدريجياً ننتبه إليها حيناً ونتناساها بإرادتنا حيناً .. لكننا نعلم يقيناً أن هذا لا ينفى بتاتاً وجودها .. ثم تأتى لحظة تتلاشى فيها باقى الموجودات من حولنا فتملأنا الوحدة .. ونجد أنفسنا عاريين من كل حِيّـلنا .. واقفين فى مواجهة حقيقية أمامها ..
وليس لنا من الأمر حينها إلا أن نصغى لها تماما كما نصغى لصوت الكمان .. ونتركها تسود أكثر فأكثر ..
 نستسلم .. ليس رغبة منا فى ذلك .. وإنما سئم من المقاومة بلا جدوى .. 
فقد لطاقتنا الروحية .. غياب الداعم لنا .. تخاذل البعض فى حياتنا .. عدم الانشغال بعلم أو عمل نحقق به ذاتنا ...... وغيره من السلبيات
تدخل فى حالة من الشتات رغم أنك واحد .. إلّا أن فى نفسك عشرات الأشخاص المختلفة ..
كلً يفكر فى اتجاه .. تفكير مقطوع _لا جذور له_ .. وفى الوقت ذاته مبتور _لا يبلغ تمامه_ !!
تتعلم السهر كثيراً .. ليس رغبةً أيضاً فيه .. بل لأنك غير قادر أن تقف أمام تلك الحرب التى لا تهدأ بداخلك وتقول لها كفى !

إن لم تكن مررت بأىّ من هذا من قبل .. فاحمد الله كثيراً إن الله قد رحمك من هذا الابتلاء ..وإن كنت مررت حقاً به أو بعض منه .. فاعذرنى بأنى ليس لدىّ حلٌ جذرى لهذا ! ولا يوجد ضغطة زر تُنهى كل ذلك !
ولكن ما أعلمه يقينا أن عليك أن تخرج من هذه الحالة رابحاً وليس بخاسر .. ولو بواحد فى المئة ..
عليك تتعلم من هذه المرحلة وتأخذ منها بقدر ما أخذت هى من روحك الكثير ..
اقرأ عن شئٍ يشبهك ..
اكتب عن أفكارك المشتته ..
اخرج للهواء .. 
صلِ .. ادعُ .. 
انغمس بكيانك كله فى شئٍ ما _لا زالت_ تهواه ..
ابحث عن من تطمئن معه وتأنس به ..
أو عن مكان تشعر بالراحة والسكون فيه ..
المهم أن تحاول دائما أن تفعل عكس ما تريده لك نفسك .. وتهمس إليك به .. من بؤس ووحدة وضيق وعزلة وخوف ..
حاول كثيراً .. و لا تقف ..
وإياك ثم إياك أن تستلم ..
وإن استسلمت مرة .. فلا تكررها كل مرة ..!
النجاح ما كان ابداً فى االوصول .. بل فى استمرار المحاولة  .. والنهوض مجدداً كُلّما وقعنا .. 
واطمئن يا رفيقى .. أنت لست وحدك من يمر بكل هذا الصراع .. بل هناك الكثير من البشر يشاركونك فى هذا!
فلا تبتئس .. 
وحاول ..








Monday, 26 June 2017

السر .. فى حرفين



بقلم " هبة الدعوشى" :

أولاً .. التدوينة المرة دى مختلفة عن كل مرة من حيث اللغة .. رغم إنى مبحبش أكتب غير باللغة العربية الفُصحى إلا أنى المرة دى حبيت اكتبها بالعامية علشان تبقى حاجة خفيفة والكل يقرأها بسهولة ويطلع منها بالفكرة اللى عايزة أوصلها يعنى كأنى كاتبة post على الفيس بوك بس طويل شوية ..خاصةً إن الموضوع نفسه مشترك بينا كلنا ومفيش حد فى الدنيا مبيتكلمش عنه.. ودى من الحاجات النادرة أوى إننا نلاقى حاجة يتجمع عليها الناس كلها بصورة عامة رغم اختلافاتهم  .. 
لكن ده لا ينفى أنه هيفضل بردو دايما فى اختلاف فى التفاصيل ..!

ثانيا .. ندخل بقى فى الموضوع :

حاولت أفهم كتير إيه ممكن تكون أهم حاجة فى علاقة حب بجد ..
أو ايه اللى بيخلي علاقات حب تنجح وتكمل بالزواج ويفضل الحب عايش بينهم لحد آخر يوم
واللى يخلى علاقات تانية رغم الحب بس متكملش بالزواج ..
أو علاقات تنقص بالزواج .. ويقل الحب بينهم .. او ملل .. او حتى لدرجه كره
بعترف إنى فشلت وبشدة أن أحصر الأسباب كاملة .. وحسيت إن دماغى تاهت وسط كل الأسباب دى بس تقريبا كده قدرت أوصل
_من وجهة نظرى الحالية واللى قابلة أكيد إنه يحصلها تعديل مع الوقت_ إن أهم حاجة على الإطلاق هو نوع الشخصية نفسها وطباعها .. أى حاجة تانية غير كده متغيرة تماماااااا ..

كتير هيقول ايه الجديد يعنى اللى انتى أضافتيه ما أحنا عارفين ده .. والناس من زمان وهى بتقول أهم حاجة فى بداية مشروع الزواج ده هو القبول .. !
هو ده بقى اللى عايزة أعلق عليه فكرة القبول ..
أنهى قبول بقى بالظبط هو اللى بينجح .. قبول العقل ولا القلب ؟!
ولا قبول التكافؤ ..؟!
أنهى تكافؤ بردو الأهم
مادى .. علمى .. فكرى .. دينى ! ولا كله !
لقيت إن الاجابة بردو فضلت تايه وسط اختلافات شخصياتنا ..

بس تقريبا كده لقيت أربع تقسيمات أساسية لنمط الشخصيات والنهج اللى بتمشيه عليه ..

المجموعة الأولى .. فى ناس أهم حاجة عندها العقل والمنطق وفعلا بتحسبها كده فى كل حاجة وتشوف دايما إيه الأنسب من حيث الظروف والتكافؤ ورأى المجتمع  وهو ده اللى بيديها الإحساس بالسعادة .. وتعتبر كده إنها فعلا نجحت .. نجحت لأنها حسبتها صح بعقلها ..
بس دول مشكلتهم انه هيبقى كويس معاك فى مشاعره طول ما ظروفكم مناسبة لبعض غير كده بتقلب تماما ويبقوا مع بعض زى الأغراب ..لأن الفكرة إن مكنش فيه مشاعر بينهم حقيقية بجد تسندهم وتسند علاقتهم ببعض فى وقت زى ده ..

المجموعة التانية .. ناس بتمشيها بقلبها بس .. ودايما رفضهم أو قبولهم بيبقى راجع لكلمة واحدة هى إحساسهم .. ودول مشكلتهم الكبيرة انهم لما الظروف حواليهم متبقاش مناسبة مبيعرفوش بإحساسهم ده بس يكملوا .. وساعتها العلاقه بتبقى قابلة جدا انها تنتهى .. ساعتها الناس دى ممكن تتجرح أوى وتقع جامد ومتعرفش تسند نفسها بسهولة .. وممكن بعدها تتحول لشخصيات باردة فى مشاعرها كرد فعل لا إرادى يحموا نفسهم من الوجع بعد كده .. خاصة لو اتكرر الوجع أكتر من مرة .. وبتبقى دايما متخوفة من العلاقات الجديدة .. لأنها بتخاف إنه يكون فشل جديد

المجموعة التالتة .. الناس اللى بتمشيها بعقلها زى صحابنا فى المجموعة الأولى.. بس الفرق بقى أنها بتقلب معاهم بحب وتعلق بجد ..وده بيبقى رزق من ربنا إنهم شخصياتهم أصلا فيها حاجات ساعدتهم على إنهم يبنوا الحب ده جواهم .. ودى حاجة أنت أكيد هتبقى عارفها فى نفسك .. المهم تحاول تحسها فى اللى معاك كمان ..

المجموعة الرابعة .. الناس اللى لازم تحس الحب الأول بقلبها وبعدين تبدأ تستشير العقل  .. لأنها قبل ما تسيب العلاقة تكبر والمشاعر تزيد والتعلق يبقى بجد بتبقى عايزة تتطمن وتحس بأمان الأول قبل ما تدى المشاعر حريتها فتبدأ تحَكّم عقلها .. ويبدأوا يواجهوا بعض بظروفهم وطبيعة حياتهم وإذا كان ينفع نفتح لنفسنا الباب ده ولا لأ .. والناس دى بردو لو فشلوا هيتوجعوا بس مش زى صحابنا اللى فى مجموعة اتنين .. الوجع هيبقى أهدى بكتير ومدته أقصر لأنهم لسة مش هيبقوا دخلوا فى تفاصيل بعض أوى ولا اتعودوا على وجود بعض فى حياتهم ..
لكن لو نجحوا هينجحوا بجد لأنهم هيسيبوا المشاعر الأولى اللى كانت عندهم تكبر براحتها جدا وهم من جواهم مطمنين  ..

أكيد أنا عندى رأيي الخاص وميل ناحية اتجاه معين بس مقدرش أقولكم أنهى الصح واللى المفروض يتعمل ولا ينفع أشجعكم على نهج معين تتبعوه فى حياتكم .. لأنه هيبقى على حسب كل واحد فينا .. أنا بس بعرض الأفكار ليكم ..
لأن كده كده كله لازم هيدخل التجربة دى فى مرة أو أكتر من مرة فى حياته .. وطالما قلنا تجربة يبقى دايما فيه احتمالين .. نجاح أو فشل .. المهم أنت هتتعامل معاها إزاى .. ولازم تبقى مستعد دايما لأى احتمال .. بس يوم ما القدر يبعتلك تجربتك دى متتسرعش وتتدخلها علطول وانت مش مؤهل نفسيا لسة ليها ولا تقفلها بردو علطول .. خدها خطوة خطوة .. وشوف بقى ساعتها هتمشيها إزاى ..

ملاحظات مختلفة حابة أضيفها ..
-فيه حاجة اسمها ارتباط حب .. وحاجة تانية اسمها ارتباط زواج .. أحلى حاجة لما الاتنين يكملوا بعض أيا كان بدأت بأنهى الأول .. واسوأ حاجة لو كل واحدة حصلت لوحدها .. بتبقى ناقصة دايما.. وكتير بتفشل حتى لو استمرت ظاهرياً..

-فيه حاجة بجد اسمها النصيب والقدر .. لازم تبقى فاهم ده كويس من جواك علشان هيساعدك على إنك تحس بالرضا بجد .. 
وهيساعدك تتعامل صح مع قدرك ده .. ويخليك دايماً تطلب من ربنا الخير ليك ..

-الناس اللى بتحس بالحب بجد ومشاعرها عالية جواها وبتحس بالحاجة أوى اللى بيتقال عليها "مرهفة الحس " فعلا .. دول مينفعوش ابدا يكونوا مع حد عشان مجرد مناسب أو كويس وهو مش عارف يحس بيه بجد من جواه .. حتى لو ضحك على نفسه فترة وقال تمام .. بس بعد كده هيحس نفسه ميت من جوه ومش عارف يلاقى اللى روحه وقلبه محتاجينه من الشخص التانى ومبتقدرش تكمل ..

-الناس اللى مقتنعة أصلاً إن مفيش حب أوى لكن فيه عِشرة وتعوّد دول عادى ممكن يكملوا مع بعض تمام وهم كويسين و مبسوطين كمان .. لأن هم أصلا بطبيعتهم مش ناس "جوانيّن"  .. وأحاسيسهم عادية مش لدرجة "مرهفة" يعنى ..

-فى الارتباطات لازم تبقى فاهم أنه عادى نرتبط بناس حياتهم مختلفة عن نمط حياتنا مش لازم خالص نبقى شبه بعض بالورقة والقلم .. الفكرة اننا نفهم الاختلاف ده من جوانا بجد ونحترمه ونتعامل معاه لدرجة اننا مع الوقت نوصل لحاجة وسط تشبهنا إحنا الاتنين ..

-الطموح فى الحب بيبقى من أجمل ما يكون لو طبقناه صح.. والصح إن يبقى فيه مشاركة .. إننا نبقى طموحين مع الشخص اللى مرتبطين بيه وعايزين نكبر سوا ونوصل سوا لمكانة أحسن فى كل حاجة على أد ما نقدر .. 

-أهم حاجة بقى زى ما قولت فى الأول .. هو إن كل حاجة فى العلاقات دى على حسب شخصيتنا
فأوعى تلبس شخصية حد تانى وتدخل بيها العلاقة .. أوعى تشوف حد عمل ايه وتعمل زيه أو عكسه .. اسمع وشوف من كله رأيه ومواقفه وتجاربه .. وخزّن كل ده جواك وفكر فيه براحتك أوى .. وأوعى تتسرع فى قراراتك .. ويوم ماتيجى تجرب أنت بس اللى هتجرب بشخصيتك وطبعاك وأخلاقك وقلبك وعقلك .. مش قلب ولا عقل  حد تانى .. لأن دى حياتك أنت وأنت اللى هتعيشها ..

-خوفك من الفشل فى ارتباط جديد  بسبب علاقة كانت قبل كده فى حياتك .. ساعات كتير هو نفسه اللى بيدفعك للفشل ويخليك تتعامل غلط مع الشخص الجديد .. حاول تتعلم من الفشل أكتر ما تخاف منه .. 

-فيه معانى كتير أوى مهمة فى الحب .. بس أكتر مصطلحين بيشملوا تقريبا باقى الأحاسيس التانية .. هما (الراحة والأمان) فى العلاقة .. إنك تبقى على راحتك معاه و تبقى مرتاح لشخصه وحاسس إنك مش محتاج تلبس ماسك على وشك او تبقى بتعمل حاجة غصب عنك أو من جواك مش مرتاح ليها بس بتعملها عشان عايز ترضيه وخلاص .. لأنك لو عملت كده مرة مش هتقدر تعملها كل مرة ،،
والأمان هو أنك بتطمن معاه ومش خايف أنك تكون بتعمل حاجة غلط .. أو خايف من شكل حياتك معاه بعد كده .. أو خايف يسيبك فجأة ..

-الثقة إحساس مكتسب .. بتيجى بالمواقف .. وبتروح بردو بالمواقف ..
والثقة ليها معانى كتير أوى .. من أهمها إنك واثق أولاً من مشاعرك تجاهه ومن مشاعره تجاهك .. بتصحى الصبح وانت متأكد إن قلوبكم متغيرتش علي بعض فى يوم وليلة .. 
كمان إنك تبقى واثق فيه وحاسس إنه أد مسؤلية الارتباط ده وأنت متأكد انه مش هيخذل ثقتك دى ..

-الصراحة ثم الصراحة ثم الصراحة .. أوعى تكدب ابدا فى ارتباطك مع حد .. إزاى بتكدب على إنسان المفروض إنك عايز تعيش معاه بعد كده حياتك كلها كأنكم واحد بس .. اللى بيعملوا كده فى فترة خطوبتهم بيشوفوا كوارث بعد الجواز وبيتعبوا جداا .. والثقة بينهم بتفضل طول العمر مهزوزة .. 
وحتى لو الصراحة دى ممكن تقفل العلاقة دى من قبل حتى ما تبدأ .. أحسن ألف مرة من علاقة قايمة على الكدب هتصدمك وتوجعك بعدين .. 

-آخيرا بقى عشان طولت عليكم .. (الاحترام والكرامة) من غيرهم بجد الحب ملوش لازمة فعلاً وناقص جداا وبيهدم أكتر ما بيبنى .. ومعناه إن كل واحد فيهم يحترم "مشاعر" و"عقل" الطرف التانى .. ويحافظ على كرامته ومكانته بينهم وبين بعض .. وبينهم وبين الناس كلها ..
هو ده اللى ممكن يخلق الحب أصلا لو مكنش حتى موجود .. والعكس صحيح الإهانة والتقليل المستمر وعدم التقدير بيدمر أى ذرة مشاعر موجودة بمعنى الكلمة ..

وختاماً ..
"إذا مس الحب قلبك يوماً ما .. فاتق الله فى من أحببت !"
وجود ربنا سبحانه وتعالى دايما فى قلبك وأفعالك وانت فى أى ارتباط أو داخل على علاقة جديدة فى حياتك بيقويها بشكل ميتوصفش .. وبيبعدنا عن اخطاء كتير .. وبيعينا اننا نقوم لو وقعنا ونتعلم صح لو غلطنا .. فخليك دايماً مع ربنا .. هيكون دايماً معاك ..




Tuesday, 11 April 2017

كن لى غريباً


بقلم هبه الدعوشى :

أخشى أن تقترب .. ولكنى فى الوقت ذاته لا أحبك أن تبتعد ..
أخشي أن ألحظك ..ولكنى فى الوقت ذاته لا أقدر على ألاّ أراك ..
أخشى أن نتشابه .. ولكنى لا أتمنى أن نختلف ..
أخشى أن أتمسك بك .. ولكنى لا أريد أن أفقدك ..
أخشي أن نتواجد معا .. ولكنى لا أريد أن يؤلمنى رحيلك ..
فأنا التناقضات كلها فى شخص واحد ..
أبسط مما تستطيع ملاحظته ..
وأعقد مما تقوى على إدراكه ..!
لذلك لا تحاول أن تقتحمنى ..
أو أن تلج إلى عالمى ..
أو أن تفهم صمتى .. و ما وراء كلماتى ..
ما دمت لا تملك القدرة الكافية لذلك ..
تلك القدرة التى تحتاج إلى قلب أكثر من حاجتها إلى عقل وحِيّلٍ  .. !

فإذا لم تستطع ..
فلتكن غريباً عنى .. واتركنى غريبة عنك !!

Wednesday, 15 March 2017

ما بين الانتكاسة والعودة






بقلم هبه الدعوشى :

كثيراً ما أجلس أُحدٍّثُ نفسى وتُحدثُنى عن طبيعة السلوك الإنسانى ..وعن العادات التى يمارسها المرء فى حياته اليومية ..
عن انتهاجه لنهج معين فى كل أمور حياته بحيث يُضفى على شخصه طابعاً معيناً يتميز ويتسم به بعد ذلك بين الناس ..


ومنه أجد أفكارى تسحبنى لتأمل ما بعد ذلك .. هل يمكن أن يكون هناك التزام دائم بهذا السلوك الإنسانى الذى يميزه..  أم الانتكاس وانقلاب السلوك وتغير تلك الطباع هو الأكثر حدوثاً .. ؟! وهل إذا انتكس يمكن أن يعود من جديد ؟ وما الدوافع لكلتا الحالتين ،الانتكاسة والعودة ؟!
وهل حقاً يستطيع أحد أن يسير دائما على وتيرة واحدة دون أن يميل أو ينحرف قليلاً عن طريقه ؟؟!
وأيقنت أن الإجابة وبكل صدق .. لا !! وألف لا !!
لقد خُلقنا بشرا .. فينا الضعف .. وداخلنا الهوى وميل النفس .. حتى عقلنا وفكرنا الذى ميّزنا به الله على سائر خلقه فيه الشر الذى قد يُبيد العالم بأكمله ..  وإن لم يكن فيه شر ففيه عيوب ونواقص أخرى .. فقد يصيبه التشتت والتحير وعدم القدرة على الحكم .. وقد نفقده تماما .. وقد نُعمِلَه كثيرا حتى يضطرب ويُجهد .. وفى لحظة نجده يستسلم ويخمد .. !
خُلقنا بشراً تصحبنا الخطيئة .. هبط بها آدم إلى الأرض .. بعضنا لبعض عدو
خُلقنا بشرا .. من جسد وعقل وقلب .. جسدٌ ذو شهوة .. وعقلٌ ذو كبوة .. وقلبٌ مابين حسٍ عالٍ وفتور ..
 لذلك لا أحد ابدا منزه أو مقدس عن الخطأ أو الزلل أو النكوص ..
خاصةً أولئك الذين اهتدوا إلى طريقهم .. وظنوا أنهم بذلك وضعوا لأنفسم قدماً بين السابقين فى هذا الطريق .. وأنهم قد وصلوا إلى غايتهم ..!
لا يدرون أنهم بذلك قد بدأوا فقط السير فى طريق ملتوٍ وأرض متهاوية ورياح عاصفة تزلزل كل ما حولها ..
وقلما تجد فى هذا الطريق من يصحبك معه أو يعينك على المسير .. وإنما همهم الأول وشغلهم الشاغل أن ينجو هم بأنفسهم .. وأن يعبروا ذلك الطريق بسلام ..
ولكن إذا وجدت ذلك الشخص فتمسك به ولا تفلته من يديك .. وتذكر أنك أنت بحاجة إليه !
لا تتكبر ..ولا تغتر بحالك ..وتظن أنك قادرٌ على السير والمضى وحدك .. ولا ترد يده إن هو مدها إليك ..
فلربما هو عونٌ إلهى أمدك الله به فى صورة بشر !!
وحاول فى طريقك أن تتلمس الأثر .. وتقفو خطوات السابقين .. فإن فى بعضها منجاة بحق !

  ولكن دعونى أحدثكم الآن عن الانتكاسة ..ونفرد تفصيلاتها ولكن بشىء من الإجمال :
أولاً ..مفهوم الانتكاسة هو تغير الحال وانقلابه من الحسن إلى السئ
ثانيا .. تشمل هذه الكلمة الكثير .. انتكاسة فى المرض _العضوى منه والنفسى_ ،، فى طلب العلم أو العمل ،، فى الهداية والتوبة إلى الله ،، فى العلاقات الإنسانية والمشاعر كالحب والصداقة .. وكل هذا بدوره سينعكس بالطبع فى صورة انتكاسة فى السلوك والتعامل ..
 ثالثاً .. بالطبع لكل حالة دوافعها الخاصة ومبرراتها .. ولكن فى محاولة للبحث عن القاسم المشترك الأكبر بين كل الأنواع باختلافها _بعيدا عن انتكاسة المرض العضوى_ رأيت أن السبب الرئيسى يرجع للشخص نفسه أكثر ما يرجع إلى الظروف المحيطة التى تغيرت من حوله ..
فالشخص الذى يصيبه الفتور وضعف الإرادة والمقاومة وفقدان الشغف فى أى من تلك الحالات السابقة هو الأكثر عرضه للانتكاس.. فيعود لمرضه النفسى السابق .. أو يتخاذل ويتكاسل فى طلب علمه وعمله .. أو يعود لذنبه بعد توبته .. أو ينهى علاقاته بأحبائه وأصدقائه ويبتعد عنهم ..
لكن لا يزال حتى الآن السؤال يطرح ذاته ويُلح علينا ما الذى يدفع الإنسان من الأصل لهذا الشعور .. الفتور وفقدان الشغف ؟؟!
الحقيقة أنها تنوعت الأسباب والنتيجة واحدة ..
_قد يكون كثرة المعوقات بالطريق والانشغال بها عن  غايتك الاكبر
_أو قد يكون وضع غاية خطأ من الأساس .. كأن تكون أعلى من قدراتنا بكثيير .. أو يكون تعلق بشئ زائف ،سراب سرعان ما يزول
_قد يكون طول الطريق واستشعار صعوبة الوصول للنهاية
_قد يكون كثرة الاجهاد مع تحصيل قليل .. وذلك لأنه ليس علينا فقط أن نعمل .. وإنما يجب علينا أن نعمل بذكاء
_قد يكون طول الأمل والركون إلى الزمن والاطمئان إلى الحياة الدنيا
_قد يكون عدم إيجادنا لمن يصحبنا فى الطريق .. أو حتى أثاراً نقفوها للسابقين
_قد يكون كثرة العطاء مع عدم وجود مقابل _ولو على الأقل تقدير من الأشخاص_ مما قد يجعلنا غير قادرين على العطاء كما من قبل
_قد يكون فقدان لأشخاص كانوا داعمين لنا بصدق .. 
_أو على العكس قد يكون ظهور شخص ذو أثر سلبى ما فى حياتنا يظهر الجانب المظلم منا ويسحبنا لطريق لم نكن لنسلكه من قبل ..
_أو قد يكون ابتعادك عن طريق الله عزوحل فتركت للشيطان باباً داخلك مفتوحاً ليلج إليك منه ويُبديَّ لك ما وُريَّ عنك من سوءات نفسك .. 

لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك ولكن بالطبع هناك مئات الأسباب التى قد تؤدى بنا فى النهاية إلى فقدان الشغف بالغاية التى نسعى لأجلها ..!

رابعا .. نتائج هذه الحالة التى نصل إليها أو  نستشعرها داخل أنفسنا هى ترك الزمام فجأة .. الزمام الذى كنا نحرك به أنفسنا ونقودها تجاه تلك الغاية ..
تخيل ماذا يمكن أن يحدث عندما تترك حصاناً هائجا فجأة بلا زمام .. !!
سيهيم بك فى كل وادٍ .. فى كل طريق .. لا يعرف إلى أين يسير .. سيضطرب .. وتضطرب انت معه .. وتتشت الرؤية أمامك .. وتضل الطريق .. وتقف فى المنتصف عاجزا عن التقدم خطوة أخرى للأمام .. متحيرا متخبطاً فى أفكارك ..
وبعد أن كان هدفك واضح تماماً وطريقك محدد فى ذهنك لا يعتريه الضباب .. أصبحت الآن ترى فى ذهنك أكثر من طريق يدعوك للسير ففيه ويزين لك أوله حتى تنجذب إليه .. فتتشت فى داخلك وتصخب الأصوات فى نفسك كل يختار طريق ..!!
 هذه الفترة ستقضى فيها طورا  من حياتك ليس بالقليل ابدااا .. وقد تظل هكذا ثم تعودك لطريقك من جديد .. أو قد تختار طريقا خاطئا تتيه فيه قدرا أكبر من حياتك .. وقد منه تعود وقد لا تعود !!

وهذا سيدفعنى إلى أن أصحبكم معى فى طريق العودة:

لتعلم أيضاً يا صديقى أن عودتك .. تتوقف عليك أنت أولاً وعلى اختيارك 
هل ستختار الاستسلام لما أنت عليه ولما آلت إليه أمورك .. أم ستحاول أن تقاوم .. أن تستعيد السيطرة على زمام  حياتك تقودها كما تريد .. كما ينبغى أن تكون .. لا كما تريد لها الأهواء ..
هل ستختار طلب المساعدة أم ستستكبر عنها ..!
لكن صدقنى سيطلب العون وبشدة من يريد حقاً خلاص نفسه من الحالة التى هى عالقة بها ..
وحدك لن تستطيع .. لأنك داخل الدائرة .. لا تراها بحجمها الحقيقى وإنما تتيه فى دوارنها الذى يُفضى إلى اللاشئ ..
واعلم أن قراراك واختيارك هذا يعود لشخصيتك بالأصل .. لجوهر روحك الذى أنت عليه فعلا .. 
فظروف الحياة قد تطفئ لمعان اللؤلؤ وتخفى بريقه .. لكنها ابدا لن تغير من تكوينه الأساسى ..
وكذلك الطلاء قد يجمل الشكل من الخارج .. لكنه ابدا لن يغير تكوينه الأساسي إن كان سيئا من الأصل..

فابحث عن أصل روحك وجوهرك .. ثم ابدأ فى طلب العون .. 
وهنا يأتى السؤال ..ممن إذا سنطلب العون ..؟؟
أولا .. الله .. مجرد إيمانك بوجود قوة أكبر منك وأقدر منك وأعلم منك .. سيمدك تلقائياً أيضاً بالقوة ..
تحدث إلى الله .. أخرج كل مخاوفك وأوجاعك وتشتت أفكارك أمامه .. تحدث وأنت على يقين أنه يسمعك .. أنه يراك من داخلك قبل خارجك .. اسأله أن يعينك .. أن يهديك الطريق .. أن يبعد عنك شتاتك .. ويقيل عثارك ..
ثانيا .. نفسك .. استمع إلى حديث نفسك وصارحها .. أحتويها ولا تقسو عليها ..عاملها وكأنها طفلتك التى تُربيها .. أعطها دفعات إيجابية .. أخبرها أنها قوية وذكية وقادرة على الخروج مما هى فيه .. تعرف إلى محاسنك ونقاط قواك واستغلها .. وتعرف إلى أخطائك التى ارتكبتها وحاول أن تسامح نفسك عليك وتتصالح معها ..فإنك بهذا تكسب نفسك وتجعلها طيعة لك حين تريد إصلاحها وقيادتها من جديد 
ثالثاً .. الناس .. ابحث عن من يحبك بصدق .. ابحث عن من ترتاح معه .. ابحث عن من تعجبك أفكاره وأسلوب حواره .. ابحث عن أناس ذو خبره بما أنت فيه ومروا به من قبل ..ابحث عن من يدعمك بكلامه وأفعاله ..  باختصار ابحث عن أى أحد من أهلك ،أصدقائك ،مدرسينك ،أناس تراهم قدوة لك فى حياتك ،طبيبك النفسى ..... المهم أن تجد من يعينك على هدفك الماثل أمامك الآن .. وهو الخروج مما أنت فيه !! 

حاول أن تسعى من خلال هذه الوسائل الثلاث .. سيستغرق الأمر وقتاً لا بأس به .. لكنه سيمضى مُعلماً إياك دروساً كثيرة ..
لكنك إن لم تعد .. فاعلم أن نفسك ليست مهيئة بعد للعودة .. ولا زال ينقصها الكثير .. فحاول من جديد ..
وتذكر دوما يا صديقى .. أنك مادمت عازماً على السير .. حتماً ستصل .. وعن غايتك لن تحيد !


Friday, 16 December 2016

عجوزٌ فى العشرين


بقلم "هبة الدعوشى" :

وكانت هى مخلوقة بشرية من نوعٍ ما "غريب " .. مُختـلِف لكنه مُؤتـلِف ..
كانت من حيث عدد السنين الأرضية الظاهرة : فى العشرين من عمرها .. ومن حيث عدد السنين العقلية الباطنة : تَفُوق ذلك بكثيـــر.. تَفُوقه حد الهِرَم .. فاستحقت بجدارة ذلك اللقب " عجوزٌ عشرينية "
كانت لها هيئة فتاة كما يُقال " فى ريعان شبابها " ..
لكنها تملك قلباً طفولياً متشبثاً بذكرياته الطفولية البريئة وأحلامه الجريئة ويلاحقها فى كل مكانٍ وزمانٍ خشية أن يسلبه الزمن إياها ، فينساها ..
وتملك فى الوقت ذاته عقلاً ناضجاً تخطى زمنه سريعاً .. وتعلم كثيراً ومريراً من خبراته التى خاضها فى زحام دنياه ، بل و زاد عليها من خِبرات دنيا من سواه ..
إما بدقة ملاحظته لمن حوله فى زمنه وإما بإطلاعه عليها فى مخطوطات كتابية و روايات شفهية خلفها الزمن الماضى أثراً لهم ..

كان تنظر إلى أمور الحياة دوماً بشكل مختلف .. تنظر إليها بشكل شمولى تأخذ فيه ظاهره الذى يراه _تقريباً_ الجميع ،وباطنه الذى قد يخفى على الكثير ..
ثم تعقد المقارنة ما بين هذا وذاك وتحلل تفصيلاته وتنظر فى أبعاده .. ودوافع الأفعال ونتائجها .. وكوامن الشعور وظاهرها .. جاهدة فى أن تصل إلى حكم صائب على الأمر الذى أمامها دون أن تجور على أحد أو حتى على شئ .. فهى بقدر ما تكره الظلم بقدر ما تخشى أن تكون أحد أسبابه يوماً ما ..
ولكنها تعود وتذكر أن الإنسان بطبعه " ظلوماً جهولا" .. فتستغفر كثيراً كثيراً بحرقة وألم لما قد يكون صدر منها ساعةً ما من ظلم لغيرها أو لنفسها وهى لا تلقى له بالاً ..

كما كان عقلها دائماً مُثقلٌ بأفكاره كذلك كان قلبها مُثقلٌ بشعوره ..
كانت بقلبها وحبها اللاحدودى للغير تشعر بأنه قد يستطيع أن يسع كل هذا الكون .. كل هذا الزمن الذى تحياه والزمن من قبلها ومن بعدها ..
كانت تحب بصدق وبلا انتظار أى مقابل سوى أن ترى الآخر بخير .. تحب العطاء وتعشق حماية من تحب والدفاع عنهم والخوف عليهم .. وللتضحية عندها معنى راسخٌ فى قلبها لا يحتاج سوى موقف بسيط  يستحثه ليتجسد قوياً صادقاً فى فعلها..
حتى أنها كانت تشعر بهذا الحب الغريب تجاه بعض العابرون فى الطريق والذى قد لا تلتقيهم ابداً مرة أخرى فى حياتها ..
وكان من أحب الناس إليها ..هى أمها ..
كانت ناضجة أمام الجميع ولكن طفلةٌ صغيرة بين ذراعى أمها .. تتشبث بيدها حين تتعثر.. تحب أن تسير خلفها على خطاها حيناً وإلى جانبها حيناً آخر ..  لكنها كانت قليلاً ما تحب الركض أمامها بعيداً كانت تخشى إن فعلت ذلك أن تنظر خلفها فلا تجدها وتجد نفسها دونها وحيدة ..
وبالطبع كان للأطفال عنددها مكانة خاصة .. بعيداً عن حب مدعابتهم ومضاحكتهم أو إحساس الأمومة تجاههم _والذى يُميز تقريباً أغلب الفتيات منذ صغرهم_ كانت دائماً نظرتها للأطفال مصحوبة بالشفقة .. !
كانت تشفق على برائتهم كثيراً أن يبددها الواقع حين يدركوه .. وعلى ابتسامتهم البريئة أن" تدفنها الحياة " ،فلا يظل منها سوى ذكرى فى ماضيهم البعيد ..
وابتسم بتعجب سُخرىّ حين آرانى كتبت .." تدفنها الحياة " !
واتذكر قول درويش هنا: " فإن أسباب الوفاة كثيرة ، من بينها وجع الحياة "

لم تكن ابداً تُحب أن تعيش لنفسها .. كانت بعقلها وقلبها تحمل هم أُمتها من حولها .. تنشغل بأمورها كثيراً وتفكر كيف يمكن أن تؤدى دوراً من أجلها ..

كانت تخشى كثيراً أن تنتكس يوماً عن طريقها ..
تخشي كثيراً أن يغيرها الواقع من حولها لشخص لا ترغبه ..
تجاهد نفسها .. عقلها وقلبها ..
تحاول دائما أن تردهما إلى الله كلما ضلا أو تاها ..
تحاول
وتحاول
وتحاول ..

ولا تتمنى شيئاً أكثر من أن تُنهى حياتها فى سلام ..
أن تغادر الدنيا بأقل قدر من الخطايا ..
وأن تترك للناس من بعدها إرثاً حسنا ..
وذِكراً عذباً رقيقاً..

فهلّا أعنتها يا الله ..!




Thursday, 22 September 2016

زمن الحرب .. و زمن النزاع


بقلم "هبة الدعوشى" :

فى زمن الحرب لا تسأل كثيراً ..
فى زمن الحرب لا تفكر كثيراً ..
فى زمن الحرب فقط تتألم كثيرا !!  .. كثيراً !! .. 
ورغم هذا إلّا إنك أيضاً لم تعد تبكى كثيراً ..
فى الحرب تجف الدموع رغم جريانها .. ينحبس الصوت رغم صراخه .. 
فى الحرب يشوه كل شىء .. ملموساً كان أم محسوساً ..
يُشوَه الوطن ... يُشوَه المواطن .. يُشوه الهواء ..تُشوَه السماء ..  يُشوَه الزرع والطير ..
تُشوه العلاقات الإنسانية ..تُشوه المبادئ ويهتز الإيمان  .. فتضيع سمة الإنسان .. !!
فى الحرب يٌشوه الحب .. ولن أقول يموت .. لأن الحب ابداً لم يمت يوماً ولن يموت مادمت الحياة .. فهذه فطرة الله لنا ..
ولكن أقول يُشوه .. أى أن سيكون موجوداً ولكن بصورة أخرى مضطربة ..  صورةٌ تحب حيناً وتكره حيناً .. تهدهد حيناً وتضرب حيناً أخرى .. تبنى حيناً وتهدم أحايين كثيرة  ..
يختلط الحب بمعان أخرى _بتغليب طباع الحرب_ ما إن تتداخل معه حتى تهدمه .. كالأنانية .. الشك .. فقدان الثقة  ..الخيانة .. العجز عن حمابة من تحب وعدم الشعور بالأمان .. 
فحينها تجد الحب ينكمش على نفسه وينزوى حتى يهيأ لنا أنه ماعاد له وجود ..
ولكن هناك بالطبع الحالات المثالية التى يكون الحب فيها قويا شديداً لم تغير سماته الحرب بعد .. هذا أيضا ليس بالأفضل على الإطلاق من الحالة السابقة !..
لأن هنا يكمن أشد مواطن الألم .. فبقدر الحب بقدر ما يكون الألم إذا ما حلت مصيبة ما بمن نحب  ..
تفعل الحرب فينا فعلها ولا نملك أن نقول لها لا .. !!
لأنها فعل وما يحدث فينا هو رد الفعل الذى لا يمكن ابداً أن تمنعه .. فهو قانون الطبيعة فينا !!
فى زمن الحرب .. لن يعد الهواء يعبق برائحة المطر كما كان .. وإنما ستنوب عنه رائحة الدم القانى ودخان الحرائق وغبار الهدم ..
فى زمن الحرب .. رغم فرارك من الموت ومحاولاتك للبقاء .. إلّا أنك ستتمنى فى كل لحظة أن لو أنك مِت من أول لحظة ولم تشهد كل هذا ...

وأمان الزمن الآخر فهو زمن النزاع الفكرى الأيدلوجى  الذى عادةً ما يسبق زمن الحرب وهو الذى يُودى إلى نشوبها _لولا أن تداركنا رحمة من الله تمنع هذا_ .. فى هذا الزمن ستمتلأ بالخوف كثيراً وتركن إلى اليأس طويلاً .. رغم مقاومتك لنفسك فى هذا .. إلا أن حتماً سيعتريك هذا الشعور حتى ولو قليلاً ..!!
ستتجاهل الأمر أحياناً محاولاً أن تعيش يومك هذا قبل حلول موتك غداً .. محاولاً أن تتمسك بالشمس قبل غيابها خلف مستقبل ضبابى .. إلا أنك فى  الوقت ذاته ستكون مدركاً للواقع تماماً حتى ولو بينك وبين نفسك ..
فى زمن النزاع هذا ..كما تتنازع الأفكار وتتفكك الأحزاب فى المجتمع .. كذلك تتنازع روحك وعقلك .. وتتشت وتختلف على نفسك .. وتنقسم بداخلك وأنت واحد .. حتى لم تعد تعرف أيهم أنت .. 
فى هذا الزمن مزيج غريب من الخوف والحزن معاً كـ  سُم الثعبان يتسرب إلى داخلك رويداً رويداً  يجرى مجرى الدم ورغم هدأة سيره وانسيابه إلّا أن يفتك بكل ما يمر به كوحشٍ كاسر لا يدع شيئاً .. ولا يظهر أثره فينا إلا مع مرور الوقت ..

فحاذر يا من تعيش هذا الزمن الآن  ..زمن النزاع ..
حاذر طول الأمل .. حاذر الأوهام .. و حاذر فى الوقت ذاته سم الثعبان ..
حاذر أن تعيش نفسك كما لو أنها فى زمن الحرب وهى لم تتحدث بعد  ..
أو تعيش كما لو أنها فى زمن الاستقرار والرخاء وهى بعيدة كل البعد عن ذاك ..
فكن عادلا ما استطعت فى نظرتك .. واحفظ شعورك ما بين الإفراط و التفريط .. 


وليكن الله بنا رحيماً فى أى زمن نكون ..!



Saturday, 9 July 2016

الألم أمرُ نسبيّ


بقلم "هبة الدعوشى" :

ما أكثر ما نمر به من ألم .. وما أعجب قدراتنا على تحمل صوره المختلفة !
الشعور بالألم يتفاوت كثيراً بين شخص وآخر .. بل ويتفاوت بين أمر وآخر للشخص الواحد ذاته ..
فسيولوجياً هذا ممكن بسبب بعض المواد الكيميائية التى تُفرز فى الجسم وأنظمة معينة للتحكم فى هذا الشعور بالألم الجسدى ..
أما نفسياً وشعورياً وسيكولوجياً أعثقد بأن الأمر أكثر تعقيداً وأبلغ تأثيراً بالنسبة للألم الروحى ..

كيف يكون هناك إنسان مصابه بسيط جداً ولكنه يضيق به ويجزع ؟!
وآخر مصابه أعظم وأشد ويتحلى الصبر والصمود أمامه ؟!
وهذا الإنسان الصامد متى تخور قواه ويضعف أمام الألم ؟!
وذاك الإنسان الجزع متى سيشتد عوده ويقوى على المواجهة ؟!
كل هذه الأسئلة وأكثر تجول بخاطرك إذا تأملت الأمر قليلاً ..

فى رأى أن هناك بعض العوامل التى تتحكم فى ذلك ..

أولاً : رؤيتنا للأمور
نحن لسنا طوال الوقت فى ألم ولسنا واقعين تحت وطأة الضغوط والمشاكل والهموم طوال عمرنا من يوم خُلقنا إلى موتنا _هذا الاعتقاد عليه أن يكون دائماً حاضراً فى ذهننا وعياً ولاوعياً _وعليه فإن أى نازلة تحل بنا أو ألم يصيبنا هو أمرٌ عارض وحتما سيمضى ويزول مهما استغرق من وقت ..وأن ما حدث أمورٌ قدرية وليس هذا منّا وحدنا ولكن أيضاً مما حولنا .. فقط كل ما علينا فعله هو معرفه كيفية التعامل معه والصمود أمامه .. وليس بالضرورة أن نغلبه وننتصر عليه .. فالنصر كثيراً ما يكون فى فكرة المقاومة فى حد ذاتها وليس الفوز بالضرورة .. فنحن كثيراً ما قد نعجز عن تغيير ما حولنا ،ولا نملك من قانونه شيئاً .. ولكن نستطيع أن نغيرأنفسنا ونملك قانون أنفسنا من الثبات والتوازن والاهتداء إلى القصد والنجاة رُغم ما حولنا _ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا _ ..
كما يقول الرافعى "فلا يعتبن الإنسان على الدنيا وأحكامها .. ولكن فليجتهد أن يحكم نفسه "

ثانياً: طبيعة شخصيتنا
أعتقد أن هذا الأمر بالوراثة أو بالفطرة التى يولد بها الإنسان .. وأن الله يهبها للإنسان بقدر .. ولكنها أيضاً تعتمد بصورة كبيرة على التربية والتنشئة الصحيحة القوية فى الصغر ..
فكُلّما ازدادت قوتنا الداخلية واشتدت إرادتنا كُلّما ازدادنا مقدرة على الصمود أمام ما يواجهنا .. ولكن ليست تلك القوة الصلبة التى تنكسر إنما _تشبيها_ كقوة المطاط .. صلب ولكنه أيضا يمكن أن ينثنى أحيانا ..
وكُلّما ازدادنا رزانة ورجاحة عقل وفى الوقت ذاته سرعة بديهة وإدراك للأمور كُلّما ازدادنا مقدرة على التفكير السليم بصورة تفصيلية وشاملة فى آن واحد .. بنظرة قريبة وأخرى بعيدة فى الوقت ذاته ..

الألم يَصقِلُنا وينحِتُنا تماماً كما يفعل النحّات ولكن الفرق أن ذلك فعله من الخارج بينما الألم فعله من الداخل ،، الألم يغيرنا حتماً ولا نعود بعده ابداً كما كنا ،، والحكمة هنا تكمُن فى نوع التغيير الذى ستصير إليه .. وهذا هو ما يكون فعل عقلك وقلبك ..
فلا تجعل الألم يغيرك ويبدلك وفق هواه .. 
وأملك زمام أمرك ..

ثالثا :التعلق بالله
وفى هذا العنوان الكثير مما يمكن أن يقال ..
وسأكتفى باقتباسة رقيقة من كتاب "Reclaim your heart / استرجع قلبك "
" الألم هو علامة لتعلقنا بما هو غير حقيقى ومزيف ،وبما هو مصدر للحزن والمعاناة ،وكل ما نتعلق به من أمور قد تتحول فى نهاية المطاف إلى عوائق تعترض طريقنا إلى الله عز وجل . إلا أن الألم بحد ذاته إشارة ندرك من خلالها بطلان ما تعلقنا به من دون الله عز وجل . الألم يوجد حالة فى حياتنا نسعى إلى تغييرها وبالتالى إذا كان هناك أى شئ له صلة بحالتنا لا يعجبنا وأردنا القيام بتغييره فهنالك معادلة إلهية للقيام بذلك فى قوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) "

رابعاً :الغاية
دائماً ما يكون الأمل أو الغاية التى نسعى إليها هى المحرك الأساسى والدافع الحقيقى لنا .. وهى التى تعينا على تحمل متاعب الطريق وصعابه من أجل النجاح فى الوصول لهذه الغاية .. وتخفف وتهون كثيرا من وطأة الألم على نفوسنا  ..

فخلاصة كلامى هذا أن ما تقدر عليه أنت وتتحمل ألمه قد لا يقدر عليه غيرك ،، وما لا تطيق به نفسك وتجزع منه قد يصطبر عليه غيرك .. وأن صبرك وتحملك للألم لا يمكن أن يدوم للأبد فأحياناً نضعف ونسقط .. وأن جزعك كذلك لا يجب أن يدوم بل عليه أن يتبدل صبراً وصموداً ..
فلنترفق بأنفسنا حين نضعف ونسقط ولا نكلف أنفسنا فوق طاقتها فليس المهم هو ألا نسقط ولكن المهم أن ننهض من جديد وقوفاً إذا سقطنا .. ونجاهد حتى يشتد عودنا ليصمد ويتحمل ..ولكن لا بأس من بعض المرونة حتى لا ينكسر هذا العود تماماً ..
ولنترفق بغيرنا ونلتمس له الأعذار حين لا يقوى على تحمّل ألماً ما ولنشُدّ من أزره ونكوناً عوناً له .. ونقوّى بعضنا بعضاً ونداوى جروحنا ،ونكفكف دموعنا ،ونفكر فى مخرج لنا من آلامنا ،ونؤمن بربنا ونثق بقدراتنا ،ونُقدِمُ من جديد ..

فالطريق دائماً مفتوح أمامك .. ولن ينتهى إلّا بإنتهائك ..