أقسام المدونة

Friday, 29 June 2018

الاختيار




بقلم : "هبة الدعوشى"
هل يختار المرء حقا فى حياته .. أم يفرض عليه خيارٌ بعينه ؟
وهل يمكنه تجنب الأختيار الخاطىء ؟
وكيف يمكن أن يحكم على صحة هذا الخيار من عدمه ؟
هل الاختيار يعتمد على ظاهر الأمور أم باطنها .. ام كلاهما معا ؟
كل هذه وأكثر أسئلة تدور فى أذهاننا كلما تفكرنا مع أنفسنا قليلا حول أختيارتنا فى الحياة ..
دعونا نعود معاً للوراء قليلاً فى حياتنا ..

**قبل أن تولد
أنت لم تختر جنسك ولا لونك ولا لغتك ولا أبيك ولا أمك
حتى اسمك .. لم تختره أنت لنفسك ..
وهذا هو بداية اختيار الله لك .. وتسخير القدر لنا فى حياتنا
بدأنا بكلمة من الله كن فيكون .. لأننا عباد لله خُلقنا من عدم .. ولا يمًكن للعدم أن يسأل الله عن اختيارات بعينها .. لأنه كيف يمكنه ذلك وهو عدم ؟؟!
لكن بعد أن نصير بشراً لنا وجود وكيان فى هذه الدنيا تبدأ حياتنا ما بين أقدراً كتبت علينا وما بين فرص واختيارات يمنحها الله لنا..

**عندما نصبح أطفال
 يكون لأبويك حق الاختيار التام نيابة عنك لأن لا زالت محدوداً فى قدراتك  العقلية والجسدية ...
أما بعد ذلك تدريجياً تبدأ مساحتك فى الإدراك والحركة تزداد شيئاً فشيئاً .. وعلى الأهل أن يدركوا هذا .. وأن يساعدوا أبنائهم على النضج والنمو .. وأن يُخيّروهم وفى أبسط أمورهم التى تناسب سنهم وعقلهم ..
فمثلا يسألونهم :
أى ألاوان تحب ؟؟ أى الأطباق تريد أن تأكل فيها ؟؟
أى عصير تريد ؟؟ أى كرتون تفضل مشاهدته ؟؟ أى لعبة ترغب فيها ؟؟
أى لبس تريد أن ترتديه ؟؟ .. أى الرياضات تحب ممارستها ؟؟ .. وهكذا

أن يُخيّروهم فى حدود المتاح لهم .. وأن يشاركوهم فى اختياراتهم .. ثم بعد ذلك يحترموا قراراتهم واختياراتهم ..
ولكن لابد أيضاً أن يعلموا أولادهم أمرين هامين
أولا : أن الحياة مليــــئة بخيارات أخرى غير تلك التى اختاروا من بينها .. ولكن ظروف حياتنا سمحت لنا فقط بكم محدود منها .. وأنه يوماً ما قد تتعرض لأمورٍ مختلفة عن هذه .. قد تكون خطأ أو صواب وقد تكون أمر نسبى _ليس بالصواب والخطأ ولكن يعتمد نسبة لكل شخص أو ظرف _
أى أن ليست كل أمور الحياة أبيض أو أسود .. فهناك ألوان كثيـــرة جدااا فيما بينهما ..
ثانياً : أن عليهم أن يعرفوا أبعاد هذا الاختيار مميزاته وعيوبه .. وأن عليهم أن يتعاملوا مع هذا الأمر ويدركوه .. وأن يتحملوا مسؤلية قرارهم واختيارهم ..

** ثم بعد دخولنا المدرسة وحتى الجامعة .. يظهر أمر جديد فى حياتنا .. وهو "الأصدقاء"
كيف يمكن أن أختار صديق وماهى ابعاد هذه العلاقة الجديدة ..؟!
رغم كونها علاقة بسيطة نوعاً معا _أو هكذا يجب أن تكون _ إلا إن هذا الأمر أيضاً لا يمكنهم إدراكه من أنفسهم ويجب مساعدة الأهل والمدرسين لهم .. فالصديق هو كالأخ/الأخت تماماً ولكن من أم وأب مختلفين ..له حقوق وعليه واجبات لابد أن يؤديها كل واحد منهما لتكتمل صداقتهم وتستمر .. أشخاصٌ كثيرون جمعك بهم القدر فى مكان واحد .. ولكن القدر يمنحك فرصة الاختيار من بين هؤلاء الكثيرين .. تختار الذى  ترتاح له أكثر .. تستمتع بوقتك معه أكثر .. يساعدك وتساعده .. يقويك وتقويه .. تأخذ منه وتعطيه .. وتدفعان بعضكما للأمام ..
وهكذا تشعر بأنك قد نجحت فى اختيار صديقك ..إلا إنك قد لا تصيب فى اختيارك هذا فتتعرض لأصدقاء سوء .. ولا تعرف هذا إلا مع مرور الوقت بينكما ..
بالاختيار والتجربة تتكون خبراتنا ما بين الصواب والخطأ والنسبى !
أهم ما فى الأمر أن يكون لديك القابلية والطواعية للتغير وقبول الاختلاف وعدم معاداته ورفضه فقط لكونه غريبا عنك ..
بذلك تستطبع أن تعرف كم أكبر من الأشخاص والطبائع بصدر رحب وتلقى صدمات أقل فى معرفتك للبشر .. لأنك لم تضع لنظرتك للحياة إطاراً محدداً من خشب يُكسر بأبسط تغيير ..
وإنما لديك قواعد وأسس ثابتة من الفهم الصحيح للدين والأخلاق .. ثم بعد ذلك إطاراً من المطاط اللّين الغير محدد ..الذى يقبل الخيارات المختلفة ويسعها جميعا ثم يأخذ منها  بعد ذلك ما يناسبه ..

**بعد ذلك اختيارك لجامعتك والمجال الذى تريد أن تكمل فيه دراستك وعملك مستقبلا ..
أولاً دعونا نتفق أن الاختيار لهذا الأمر كثيراً ما يكون مرتبطا بنظرة الأهل ورغباتهم وطموحهم فيك  .. ونظرة المجتمع وظروفه .. وفرص العمل .. خاصة فى بلدنا مصر ..
ولا يمكنا أن نغض الطرف عن كل هذا ..
ولكن علينا ألا ننسى فى غمرة انشغالنا بهذه الأمور ماذا نريد نحن من داخلنا .. فى ماذا نرغب حقاً .. وماذا نريد أن نحقق لأنفسنا وحياتنا .. وما الذى يمكننا تحمل مسؤليته والتفوق فيه ؟!
فهكذا تستطيع أن توازن بين الخيارات المتاحة لك .. وتختار الأنسب دون أن تظلم نفسك أو تتجاهل رغباتها .. أو تتجاهل الظروف من حولك ..
ثم تبدأ فى السعى فى طريقك هذا .. بالدراسة والعمل .. وتوحد جهودك كلها لتثبت ذاتك وتنجح فى هذا المجال الذى اخترته لنفسك ..

**نأتى بعذلك للطامة الكبرى .. " الاختيار فى الزواج"
ما مر ذكره كله فى كفة .. وهذا الأمر فى كفةٍ أخرى
الزواج هو النصف الأخر من حياتنا .. هو الوجه الآخر من العملة التى لا تكتمل دونه
شخص جديد نشاركه حياتنا بكل تفاصيلها.. نصبح واحداً بعد أن كنا اثنين .. نحلم معه بمستقبلنا سوياً 
ونوثق رابطتنا هذه بأبنائنا .. حلقة الوصل التى تظل دائماً بيننا مهما صار .. مهما تباعدنا أو تقاربنا ..مهما اتفقنا أو اختلفنا ..
وهولاء الأبناء هم ثمارنا التى نجنيها مما زرعناه .. ومما قدمناه فى حياتنا 
وبالتالى فإن اختيارنا لشريك حياتنا .. والذى نعطيه كل هذه المساحة فى خصوصياتنا وأمورنا .. ونعيش معه تحت سقف بيت واحد ..فى غرفة واحدة .. بل وسرير واحد .. ليس بالأمر الهّين ..
فكيف يمكن لنا أن نختار .. وكيف يمكن أن نحكم إذا ما كنا على صواب أم لا  .. وماذا يمكن أن يحدث إذا قمنا باختيار خاطئ ؟؟!

أولاً : الاختيار يجب أن يكون على مهل دون أى تسرع أو اندفاع بشعور لحظى أو انفعال نفسى سرعان ما يتحول .. او نتيجة ضغوط من المجتمع أو الأهل و تقاليدهم وعاداتهم .. فكثيراً ما يكون هذا هو السبب الأساسى لكثير من الزيجات الفاشلة والتى نحاول بعد ذلك إقناع أنفسنا بأن هذا هو الاختيار السليم الذى أراده الله لنا .. لنتعايش فقط مع الأمر ليس أكثر 
مع العلم أننا لو حاولنا بكل جهدنا ألا ننساق وراء آراء الأخرين او نندفع فى قرارتنا تحت أى ظرف فإننا إما سنجد الشخص المناسب لنا يوماً ما .. بعد فترة طويلة أو قصيرة .. وإما أننا سنكون أختارنا الوحدة براحة وهدوء نفسى بدلاً من إهانة أنفسنا ومشاعرنا مع الشخص الخاطئ طوال العمر ..

ثانيا: يجب أن نعطى لأنفسنا الفرصة لنفكر مرة واثنين وألف .. نفكر ونحن معاً ..وهذا هو أهم ما فى فترة "الخطوبة"  أن نمر بالكثير من التجارب سوياً ..أن ندخل فى بعض الخلافات ونرى تعامل كل منا وقت الأزمات والضغوط والغضب والانفعال  ..أن نحكم عقلنا وقلبنا كلٍ على حدة .. بمعنى ان نترك الزمام لمشاعرنا فترة دون قيد من العقل لنرى إذا كانت متقبلة ومنسجمة ومحبة لهذا الشخص حقا أم لا .. ثم بعد ذلك نوجه الدفة إلى عقلنا لنحكم على الشخص وطباعه وصفاته وظروف حياته .. ونفرق بين ما هو طابع أصيل فى شخصه لا يتغير وبين ما هى ظروف خارجية مؤقتة يمكن أن تتغير يوماً ما .. ونقرر ما إذا كنا قادرين على تحمل هذا أم لا .. إذا كنا على استعداد لتحمل تلك المسؤلية واعبائها أم لازالنا غير قادرين على ذلك ..

فالاختيار الخاطئ غالبا ما يكون إما معتمد فقط على قبول ظاهرى .. اجتماعى أو علمى أو مادى .. دون أدنى شعور حسى تجاه هذا الشخص أو معرفة حقيقية لطباعه وسلوكياته ونمط حياته  ..
وإما معتمد على اندفاع عاطفى بحت دون وضع أى اعتبار لطباع الشخص وعاداته وتربيته وأخلاقه وظروفه وعلمه وعمله ورغباته وأهدافه  ..
فكلاهما خاطئ .. كلاهما يؤدى إلى الكثير والكثير من الخلافات .. حتى وإن استمر الزواج ظاهرياً .. إلا أنه داخلياً مهترئ وممزق .. لا يلتئم لهم شمل .. ولا يجتمع لهم شتات ..

ثالثاً : ماذا إذا كنا وقعنا ضحية هذا الاختيار الخاطئ ..ماذا بعد أن تزوجنا بدأنا ندرك أكثر ونشعر بأننا تسرعنا أو اخطأنا الاختيار .. أو أننا فى علاقة لم نعد راغبين فيها .. أو أننا مع الشخص الغير مناسب لنا ..
ماذا يمكن حينها أن نفعل .. هل نستسلم لهذا الشعور ؟!!
بالتأكيد ستكون الإجابة لااا .. لا يجب أن نستسلم إطلاقاً .. 
وإلاّ كيف يمكن ان تكون حياة هكذا ؟؟

علينا أن نحاول مرة واثنين وثلاثة ومليون .. نحاول أن نتفهم بعضنا وظروفنا .. أن نتعامل .. وأن نتجاوز .. أن نتقبل أشياء .. ونغير أشياء أخرى ..
واالمحاولة هذه يجب أن تكون مُستميتة إذا رزقنا الله بأطفال ..
ولكن إن استحال العيش بينهما .. وانعدم التفاهم والقبول للاخر .. " فإمساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسان " 

وأخيراً .. اتقوا الله فى حياتكم واسألوه الخيرة ليكم .. يكن عوناً لكم فى اختيارتكم
واعلموا أنما نحن نختار فيما هو مقدرٌ لنا .. "رُفعت الأقلام "
 فاسكنوا واطمئنوا واهدؤا .. واتركوا زمام اموركم لخالقكم ..
وتيقنوا إنه إن رأى الله منكم الصدق والسعى الجاد والتمسك بأمرٍ ما ..فلن يخذلكم الله ابداً ..
فادعوه كثيرا .. فالدعاء وحده هو الذى يصارع القدر ..
وخذوا بالأسباب وتفكروا وتخيروا واستشيروا .. 
ولكن أولاً وأخيرا توكلوا .. توكلوا على الذى خلقكم من عدم .. فهو بكم أعلم  .. 

Saturday, 16 June 2018

الكتابة







بقلم :هبة الدعوشى

منذ فترة طويلة وانا لم أكتب
قرابة السنة .. لم أكمل مقالة كاملة
كتبت مقتطفات وخواطر كثيرة فى سطور معدودة لكن لم أستطع أن أزيد ..
كنت احتاج هذه الفترة .. لإعادة ترتيب أفكارى .. واستجماع شعورى .. ورؤية أهداف واضحة
وأيضاً انشغالى بدراستى أطال هذه الفترة نوعاً ما ..

فى هذه المقالة سأتحدث عن هذا الموضوع الذى أرقنى طوال هذه الفترة
ألا وهو الكتابة !!
لم أكن أتصور حجم الشعور والاضطراب الفكرى والنفسى الذى قد يعيش فيه الكتاب والأدباء ليخرجوا لنا كل هذا الكم من الكتب والمقالات والروايات والأفكار
لم أكن أُقدّر حجم المعاناة والعزلة التى قد يعايشونها من أجل كتابة صفحات معدودة ..
لكنى اصبحت أعانى هذه الأمور عندما بدأت بالكتابة .. عندما شعرت بالحاجة المُلِحّة والضرورية فى داخلى لأن أكتب .. أن أقول افكارى التى تجول بخاطرى .. 
أما فى تلك الفترة التى توقفت فيها عن كتابة شئ جديد .. لم أكن خالية الأفكار على الأطلاق بل على العكس كان الأمر أكثر احتداما وتداخلا بين كل افكارى وخواطرى لدرجةٍ لم أستطع عندها الفصل بين كل هذه الأفكار وتوجيها نحو موضوع واحد .. فقررت ان أعطى نفسى هدنةً .. وأن أترك الوقت يلعب دور البطولة وأن يعيد هو ترتيب افكارى.. و وليت الأيام  وأحداثها زمام عقلى تسوقه بهوادة حيثما تشاء ..
حتى إذا ما أخذت عاصفة أفكارى فى الهدوء قليلا وحلت رياح خفيفة ونسمات لطيفة من الخواطر بدلاً منها .. توجهت فورى للكتابة على القدر الذى أستطيعه ..
الكتابة فعل صعب .. وأمر جلل بحق ..ولكنه خارج عن إرادتك فى الوقت ذاته .. تجد سيلا من الأافكار متدفقا فى رأسك بلا انقطاع .. تحاول إخراجه .. وتسعى لإيصاله لمن حولك ..تسعى لأن تصرخ فى الناس قائلا اسمعوا تلك الافكار .. افهموا هذه الأمور .. كفوا عن هذا وذاك ..أيقظوا بداخلكم الشعور .. !

أدركت أن جميعنا نستطيع الكتابة .. ولكل منا أسلوبه الخاص .. لكن بالطبع ليس جميعنا كتاب _ أو هواة كتابة _ ناجحون ..
الكتابة بألاساس هى ملكة فيك يمنحها الله لبعض من خلقه  .. الوقود الذى يحركهم لهذا الفعل مشتعل دائما ولا ينطفئ .. ولكنك قد تُحسّن وتًجود هذه الملكة وتلك القدرة لديك بالقراءة المستمرة .. بمحاولات الكتابة الكثيرة .. بأخذ خبرات وتوجيهات من كتاب آخرين .. أو تَلقّى ورش تدريبية خاصة للكتابة .. وأهم من كل  ذلك أن تؤمن بنفسك وبقدرتك على الكتابة .. وأن تعود كلما ابتعدت .. ان تكمل كلما توقفت .. وان تصحح كلما اخطأت .. وأن تنهض كلما تعثرت ..

عندما تتجلى حضرة الكتابة تجد نفسك منهمكٌ فيها .. لا تدرى وقتا ولا زمنا .. ولا تسمع صوتا ولا همسا .. ولا تعطى تركيزك لأحدٍ .. لا شئ امامك سوى حروفك وأفكارك .. لا شئ سوى زادك فى رحلتك للكتابة !

لكم اشتقت حقاً للكتابة .. شوق التائه لطريقه الذى ضل عنه !!

**أريد من كل من يقرأ هذه المقالة وكل أصدقائى .. أن يشاركونى .. ويقترح كل منهم موضوع يرغب منى أن أكتب فيه وأتحدث عنه فى المقالة القادمة ..




Wednesday, 12 July 2017

شتات



بقلم "هبة الدعوشى" :

هل مرّ أحدكم بهذه الحالة من قبل ..
حالة من اللا شئ .. اللا شعور .. اللا اهتمام .. اللا رغبة 
حالة من الفراغ الداخلى التام .. وكأن جسدك أجوف بلا روح ..
حالة من الاحتياج لشئ لا تعرفه تحديداً .. ولكنك تشعر بأنه ينقُصك ..
حالة تتشابه فيها حولك كلُ الوجوه .. وتتشابه فيها جميع الكلمات ..
حتى أنك لم تعد قادر على التمييز بين من قال هذا ومن قال ذاك ..
تنسى كثيراً من الأحداث حولك .. لأنك من الأساس لم تكن منتبهاً لها جيداً ولا تعطيها تركيزك ..
رغم انشغالك بهذه الأحداث فعلاً .. إلا إن هذا الانشغال كان مجرد تعايش معها .. وليس عيشاً حقيقياً فيها !
يثقُل عليك الحديث .. الابتسام .. و رغم عبوس وجهك إلا إنه يثقُل عليك أيضاً البكاء !
تلجأ إلى الصمت طويلاً .. والانعزال كثيراً .. تفعل ذلك حتى وأنت مُحاط بالبشر ..
تشعر أنك وإن كنت حاضرٌ بينهم بالقالب .. فالقلب منهم فى سفـــــــــــــــــر ! 
لا تعلم تحديداً هل أنت مصاب أم طبيعى .. وإن كنت مصاب حقاً .. فبأىّ شيءٍ إذن ؟!
تشعر بأن الوحدة تحاصر روحك تدريجياُ من كل جانب  تماماً كصوت الكمان الحزين فى داخل مقطوعةٍ ما موسيقية ينساب بين باقى الآلات الآخرى  .. يتزايد تدريجياً بشكلٍ ملحوظ .. حتى ينفرد فى قلب قاعةٍ هادئة .. لا همس فيها ولا نفس .. فتكون له السيادة وحده .. ويشدو بصوته إلى اللاحدود ليشمل حتى ذرات الهواء المعلقة ..
هكذا تفعل الوحدة تماماً يا صديقى تدخل إلينا تدريجياً ننتبه إليها حيناً ونتناساها بإرادتنا حيناً .. لكننا نعلم يقيناً أن هذا لا ينفى بتاتاً وجودها .. ثم تأتى لحظة تتلاشى فيها باقى الموجودات من حولنا فتملأنا الوحدة .. ونجد أنفسنا عاريين من كل حِيّـلنا .. واقفين فى مواجهة حقيقية أمامها ..
وليس لنا من الأمر حينها إلا أن نصغى لها تماما كما نصغى لصوت الكمان .. ونتركها تسود أكثر فأكثر ..
 نستسلم .. ليس رغبة منا فى ذلك .. وإنما سئم من المقاومة بلا جدوى .. 
فقد لطاقتنا الروحية .. غياب الداعم لنا .. تخاذل البعض فى حياتنا .. عدم الانشغال بعلم أو عمل نحقق به ذاتنا ...... وغيره من السلبيات
تدخل فى حالة من الشتات رغم أنك واحد .. إلّا أن فى نفسك عشرات الأشخاص المختلفة ..
كلً يفكر فى اتجاه .. تفكير مقطوع _لا جذور له_ .. وفى الوقت ذاته مبتور _لا يبلغ تمامه_ !!
تتعلم السهر كثيراً .. ليس رغبةً أيضاً فيه .. بل لأنك غير قادر أن تقف أمام تلك الحرب التى لا تهدأ بداخلك وتقول لها كفى !

إن لم تكن مررت بأىّ من هذا من قبل .. فاحمد الله كثيراً إن الله قد رحمك من هذا الابتلاء ..وإن كنت مررت حقاً به أو بعض منه .. فاعذرنى بأنى ليس لدىّ حلٌ جذرى لهذا ! ولا يوجد ضغطة زر تُنهى كل ذلك !
ولكن ما أعلمه يقينا أن عليك أن تخرج من هذه الحالة رابحاً وليس بخاسر .. ولو بواحد فى المئة ..
عليك تتعلم من هذه المرحلة وتأخذ منها بقدر ما أخذت هى من روحك الكثير ..
اقرأ عن شئٍ يشبهك ..
اكتب عن أفكارك المشتته ..
اخرج للهواء .. 
صلِ .. ادعُ .. 
انغمس بكيانك كله فى شئٍ ما _لا زالت_ تهواه ..
ابحث عن من تطمئن معه وتأنس به ..
أو عن مكان تشعر بالراحة والسكون فيه ..
المهم أن تحاول دائما أن تفعل عكس ما تريده لك نفسك .. وتهمس إليك به .. من بؤس ووحدة وضيق وعزلة وخوف ..
حاول كثيراً .. و لا تقف ..
وإياك ثم إياك أن تستلم ..
وإن استسلمت مرة .. فلا تكررها كل مرة ..!
النجاح ما كان ابداً فى االوصول .. بل فى استمرار المحاولة  .. والنهوض مجدداً كُلّما وقعنا .. 
واطمئن يا رفيقى .. أنت لست وحدك من يمر بكل هذا الصراع .. بل هناك الكثير من البشر يشاركونك فى هذا!
فلا تبتئس .. 
وحاول ..








Monday, 26 June 2017

السر .. فى حرفين



بقلم " هبة الدعوشى" :

أولاً .. التدوينة المرة دى مختلفة عن كل مرة من حيث اللغة .. رغم إنى مبحبش أكتب غير باللغة العربية الفُصحى إلا أنى المرة دى حبيت اكتبها بالعامية علشان تبقى حاجة خفيفة والكل يقرأها بسهولة ويطلع منها بالفكرة اللى عايزة أوصلها يعنى كأنى كاتبة post على الفيس بوك بس طويل شوية ..خاصةً إن الموضوع نفسه مشترك بينا كلنا ومفيش حد فى الدنيا مبيتكلمش عنه.. ودى من الحاجات النادرة أوى إننا نلاقى حاجة يتجمع عليها الناس كلها بصورة عامة رغم اختلافاتهم  .. 
لكن ده لا ينفى أنه هيفضل بردو دايما فى اختلاف فى التفاصيل ..!

ثانيا .. ندخل بقى فى الموضوع :

حاولت أفهم كتير إيه ممكن تكون أهم حاجة فى علاقة حب بجد ..
أو ايه اللى بيخلي علاقات حب تنجح وتكمل بالزواج ويفضل الحب عايش بينهم لحد آخر يوم
واللى يخلى علاقات تانية رغم الحب بس متكملش بالزواج ..
أو علاقات تنقص بالزواج .. ويقل الحب بينهم .. او ملل .. او حتى لدرجه كره
بعترف إنى فشلت وبشدة أن أحصر الأسباب كاملة .. وحسيت إن دماغى تاهت وسط كل الأسباب دى بس تقريبا كده قدرت أوصل
_من وجهة نظرى الحالية واللى قابلة أكيد إنه يحصلها تعديل مع الوقت_ إن أهم حاجة على الإطلاق هو نوع الشخصية نفسها وطباعها .. أى حاجة تانية غير كده متغيرة تماماااااا ..

كتير هيقول ايه الجديد يعنى اللى انتى أضافتيه ما أحنا عارفين ده .. والناس من زمان وهى بتقول أهم حاجة فى بداية مشروع الزواج ده هو القبول .. !
هو ده بقى اللى عايزة أعلق عليه فكرة القبول ..
أنهى قبول بقى بالظبط هو اللى بينجح .. قبول العقل ولا القلب ؟!
ولا قبول التكافؤ ..؟!
أنهى تكافؤ بردو الأهم
مادى .. علمى .. فكرى .. دينى ! ولا كله !
لقيت إن الاجابة بردو فضلت تايه وسط اختلافات شخصياتنا ..

بس تقريبا كده لقيت أربع تقسيمات أساسية لنمط الشخصيات والنهج اللى بتمشيه عليه ..

المجموعة الأولى .. فى ناس أهم حاجة عندها العقل والمنطق وفعلا بتحسبها كده فى كل حاجة وتشوف دايما إيه الأنسب من حيث الظروف والتكافؤ ورأى المجتمع  وهو ده اللى بيديها الإحساس بالسعادة .. وتعتبر كده إنها فعلا نجحت .. نجحت لأنها حسبتها صح بعقلها ..
بس دول مشكلتهم انه هيبقى كويس معاك فى مشاعره طول ما ظروفكم مناسبة لبعض غير كده بتقلب تماما ويبقوا مع بعض زى الأغراب ..لأن الفكرة إن مكنش فيه مشاعر بينهم حقيقية بجد تسندهم وتسند علاقتهم ببعض فى وقت زى ده ..

المجموعة التانية .. ناس بتمشيها بقلبها بس .. ودايما رفضهم أو قبولهم بيبقى راجع لكلمة واحدة هى إحساسهم .. ودول مشكلتهم الكبيرة انهم لما الظروف حواليهم متبقاش مناسبة مبيعرفوش بإحساسهم ده بس يكملوا .. وساعتها العلاقه بتبقى قابلة جدا انها تنتهى .. ساعتها الناس دى ممكن تتجرح أوى وتقع جامد ومتعرفش تسند نفسها بسهولة .. وممكن بعدها تتحول لشخصيات باردة فى مشاعرها كرد فعل لا إرادى يحموا نفسهم من الوجع بعد كده .. خاصة لو اتكرر الوجع أكتر من مرة .. وبتبقى دايما متخوفة من العلاقات الجديدة .. لأنها بتخاف إنه يكون فشل جديد

المجموعة التالتة .. الناس اللى بتمشيها بعقلها زى صحابنا فى المجموعة الأولى.. بس الفرق بقى أنها بتقلب معاهم بحب وتعلق بجد ..وده بيبقى رزق من ربنا إنهم شخصياتهم أصلا فيها حاجات ساعدتهم على إنهم يبنوا الحب ده جواهم .. ودى حاجة أنت أكيد هتبقى عارفها فى نفسك .. المهم تحاول تحسها فى اللى معاك كمان ..

المجموعة الرابعة .. الناس اللى لازم تحس الحب الأول بقلبها وبعدين تبدأ تستشير العقل  .. لأنها قبل ما تسيب العلاقة تكبر والمشاعر تزيد والتعلق يبقى بجد بتبقى عايزة تتطمن وتحس بأمان الأول قبل ما تدى المشاعر حريتها فتبدأ تحَكّم عقلها .. ويبدأوا يواجهوا بعض بظروفهم وطبيعة حياتهم وإذا كان ينفع نفتح لنفسنا الباب ده ولا لأ .. والناس دى بردو لو فشلوا هيتوجعوا بس مش زى صحابنا اللى فى مجموعة اتنين .. الوجع هيبقى أهدى بكتير ومدته أقصر لأنهم لسة مش هيبقوا دخلوا فى تفاصيل بعض أوى ولا اتعودوا على وجود بعض فى حياتهم ..
لكن لو نجحوا هينجحوا بجد لأنهم هيسيبوا المشاعر الأولى اللى كانت عندهم تكبر براحتها جدا وهم من جواهم مطمنين  ..

أكيد أنا عندى رأيي الخاص وميل ناحية اتجاه معين بس مقدرش أقولكم أنهى الصح واللى المفروض يتعمل ولا ينفع أشجعكم على نهج معين تتبعوه فى حياتكم .. لأنه هيبقى على حسب كل واحد فينا .. أنا بس بعرض الأفكار ليكم ..
لأن كده كده كله لازم هيدخل التجربة دى فى مرة أو أكتر من مرة فى حياته .. وطالما قلنا تجربة يبقى دايما فيه احتمالين .. نجاح أو فشل .. المهم أنت هتتعامل معاها إزاى .. ولازم تبقى مستعد دايما لأى احتمال .. بس يوم ما القدر يبعتلك تجربتك دى متتسرعش وتتدخلها علطول وانت مش مؤهل نفسيا لسة ليها ولا تقفلها بردو علطول .. خدها خطوة خطوة .. وشوف بقى ساعتها هتمشيها إزاى ..

ملاحظات مختلفة حابة أضيفها ..
-فيه حاجة اسمها ارتباط حب .. وحاجة تانية اسمها ارتباط زواج .. أحلى حاجة لما الاتنين يكملوا بعض أيا كان بدأت بأنهى الأول .. واسوأ حاجة لو كل واحدة حصلت لوحدها .. بتبقى ناقصة دايما.. وكتير بتفشل حتى لو استمرت ظاهرياً..

-فيه حاجة بجد اسمها النصيب والقدر .. لازم تبقى فاهم ده كويس من جواك علشان هيساعدك على إنك تحس بالرضا بجد .. 
وهيساعدك تتعامل صح مع قدرك ده .. ويخليك دايماً تطلب من ربنا الخير ليك ..

-الناس اللى بتحس بالحب بجد ومشاعرها عالية جواها وبتحس بالحاجة أوى اللى بيتقال عليها "مرهفة الحس " فعلا .. دول مينفعوش ابدا يكونوا مع حد عشان مجرد مناسب أو كويس وهو مش عارف يحس بيه بجد من جواه .. حتى لو ضحك على نفسه فترة وقال تمام .. بس بعد كده هيحس نفسه ميت من جوه ومش عارف يلاقى اللى روحه وقلبه محتاجينه من الشخص التانى ومبتقدرش تكمل ..

-الناس اللى مقتنعة أصلاً إن مفيش حب أوى لكن فيه عِشرة وتعوّد دول عادى ممكن يكملوا مع بعض تمام وهم كويسين و مبسوطين كمان .. لأن هم أصلا بطبيعتهم مش ناس "جوانيّن"  .. وأحاسيسهم عادية مش لدرجة "مرهفة" يعنى ..

-فى الارتباطات لازم تبقى فاهم أنه عادى نرتبط بناس حياتهم مختلفة عن نمط حياتنا مش لازم خالص نبقى شبه بعض بالورقة والقلم .. الفكرة اننا نفهم الاختلاف ده من جوانا بجد ونحترمه ونتعامل معاه لدرجة اننا مع الوقت نوصل لحاجة وسط تشبهنا إحنا الاتنين ..

-الطموح فى الحب بيبقى من أجمل ما يكون لو طبقناه صح.. والصح إن يبقى فيه مشاركة .. إننا نبقى طموحين مع الشخص اللى مرتبطين بيه وعايزين نكبر سوا ونوصل سوا لمكانة أحسن فى كل حاجة على أد ما نقدر .. 

-أهم حاجة بقى زى ما قولت فى الأول .. هو إن كل حاجة فى العلاقات دى على حسب شخصيتنا
فأوعى تلبس شخصية حد تانى وتدخل بيها العلاقة .. أوعى تشوف حد عمل ايه وتعمل زيه أو عكسه .. اسمع وشوف من كله رأيه ومواقفه وتجاربه .. وخزّن كل ده جواك وفكر فيه براحتك أوى .. وأوعى تتسرع فى قراراتك .. ويوم ماتيجى تجرب أنت بس اللى هتجرب بشخصيتك وطبعاك وأخلاقك وقلبك وعقلك .. مش قلب ولا عقل  حد تانى .. لأن دى حياتك أنت وأنت اللى هتعيشها ..

-خوفك من الفشل فى ارتباط جديد  بسبب علاقة كانت قبل كده فى حياتك .. ساعات كتير هو نفسه اللى بيدفعك للفشل ويخليك تتعامل غلط مع الشخص الجديد .. حاول تتعلم من الفشل أكتر ما تخاف منه .. 

-فيه معانى كتير أوى مهمة فى الحب .. بس أكتر مصطلحين بيشملوا تقريبا باقى الأحاسيس التانية .. هما (الراحة والأمان) فى العلاقة .. إنك تبقى على راحتك معاه و تبقى مرتاح لشخصه وحاسس إنك مش محتاج تلبس ماسك على وشك او تبقى بتعمل حاجة غصب عنك أو من جواك مش مرتاح ليها بس بتعملها عشان عايز ترضيه وخلاص .. لأنك لو عملت كده مرة مش هتقدر تعملها كل مرة ،،
والأمان هو أنك بتطمن معاه ومش خايف أنك تكون بتعمل حاجة غلط .. أو خايف من شكل حياتك معاه بعد كده .. أو خايف يسيبك فجأة ..

-الثقة إحساس مكتسب .. بتيجى بالمواقف .. وبتروح بردو بالمواقف ..
والثقة ليها معانى كتير أوى .. من أهمها إنك واثق أولاً من مشاعرك تجاهه ومن مشاعره تجاهك .. بتصحى الصبح وانت متأكد إن قلوبكم متغيرتش علي بعض فى يوم وليلة .. 
كمان إنك تبقى واثق فيه وحاسس إنه أد مسؤلية الارتباط ده وأنت متأكد انه مش هيخذل ثقتك دى ..

-الصراحة ثم الصراحة ثم الصراحة .. أوعى تكدب ابدا فى ارتباطك مع حد .. إزاى بتكدب على إنسان المفروض إنك عايز تعيش معاه بعد كده حياتك كلها كأنكم واحد بس .. اللى بيعملوا كده فى فترة خطوبتهم بيشوفوا كوارث بعد الجواز وبيتعبوا جداا .. والثقة بينهم بتفضل طول العمر مهزوزة .. 
وحتى لو الصراحة دى ممكن تقفل العلاقة دى من قبل حتى ما تبدأ .. أحسن ألف مرة من علاقة قايمة على الكدب هتصدمك وتوجعك بعدين .. 

-آخيرا بقى عشان طولت عليكم .. (الاحترام والكرامة) من غيرهم بجد الحب ملوش لازمة فعلاً وناقص جداا وبيهدم أكتر ما بيبنى .. ومعناه إن كل واحد فيهم يحترم "مشاعر" و"عقل" الطرف التانى .. ويحافظ على كرامته ومكانته بينهم وبين بعض .. وبينهم وبين الناس كلها ..
هو ده اللى ممكن يخلق الحب أصلا لو مكنش حتى موجود .. والعكس صحيح الإهانة والتقليل المستمر وعدم التقدير بيدمر أى ذرة مشاعر موجودة بمعنى الكلمة ..

وختاماً ..
"إذا مس الحب قلبك يوماً ما .. فاتق الله فى من أحببت !"
وجود ربنا سبحانه وتعالى دايما فى قلبك وأفعالك وانت فى أى ارتباط أو داخل على علاقة جديدة فى حياتك بيقويها بشكل ميتوصفش .. وبيبعدنا عن اخطاء كتير .. وبيعينا اننا نقوم لو وقعنا ونتعلم صح لو غلطنا .. فخليك دايماً مع ربنا .. هيكون دايماً معاك ..




Tuesday, 11 April 2017

كن لى غريباً


بقلم هبه الدعوشى :

أخشى أن تقترب .. ولكنى فى الوقت ذاته لا أحبك أن تبتعد ..
أخشي أن ألحظك ..ولكنى فى الوقت ذاته لا أقدر على ألاّ أراك ..
أخشى أن نتشابه .. ولكنى لا أتمنى أن نختلف ..
أخشى أن أتمسك بك .. ولكنى لا أريد أن أفقدك ..
أخشي أن نتواجد معا .. ولكنى لا أريد أن يؤلمنى رحيلك ..
فأنا التناقضات كلها فى شخص واحد ..
أبسط مما تستطيع ملاحظته ..
وأعقد مما تقوى على إدراكه ..!
لذلك لا تحاول أن تقتحمنى ..
أو أن تلج إلى عالمى ..
أو أن تفهم صمتى .. و ما وراء كلماتى ..
ما دمت لا تملك القدرة الكافية لذلك ..
تلك القدرة التى تحتاج إلى قلب أكثر من حاجتها إلى عقل وحِيّلٍ  .. !

فإذا لم تستطع ..
فلتكن غريباً عنى .. واتركنى غريبة عنك !!

Wednesday, 15 March 2017

ما بين الانتكاسة والعودة






بقلم هبه الدعوشى :

كثيراً ما أجلس أُحدٍّثُ نفسى وتُحدثُنى عن طبيعة السلوك الإنسانى ..وعن العادات التى يمارسها المرء فى حياته اليومية ..
عن انتهاجه لنهج معين فى كل أمور حياته بحيث يُضفى على شخصه طابعاً معيناً يتميز ويتسم به بعد ذلك بين الناس ..


ومنه أجد أفكارى تسحبنى لتأمل ما بعد ذلك .. هل يمكن أن يكون هناك التزام دائم بهذا السلوك الإنسانى الذى يميزه..  أم الانتكاس وانقلاب السلوك وتغير تلك الطباع هو الأكثر حدوثاً .. ؟! وهل إذا انتكس يمكن أن يعود من جديد ؟ وما الدوافع لكلتا الحالتين ،الانتكاسة والعودة ؟!
وهل حقاً يستطيع أحد أن يسير دائما على وتيرة واحدة دون أن يميل أو ينحرف قليلاً عن طريقه ؟؟!
وأيقنت أن الإجابة وبكل صدق .. لا !! وألف لا !!
لقد خُلقنا بشرا .. فينا الضعف .. وداخلنا الهوى وميل النفس .. حتى عقلنا وفكرنا الذى ميّزنا به الله على سائر خلقه فيه الشر الذى قد يُبيد العالم بأكمله ..  وإن لم يكن فيه شر ففيه عيوب ونواقص أخرى .. فقد يصيبه التشتت والتحير وعدم القدرة على الحكم .. وقد نفقده تماما .. وقد نُعمِلَه كثيرا حتى يضطرب ويُجهد .. وفى لحظة نجده يستسلم ويخمد .. !
خُلقنا بشراً تصحبنا الخطيئة .. هبط بها آدم إلى الأرض .. بعضنا لبعض عدو
خُلقنا بشرا .. من جسد وعقل وقلب .. جسدٌ ذو شهوة .. وعقلٌ ذو كبوة .. وقلبٌ مابين حسٍ عالٍ وفتور ..
 لذلك لا أحد ابدا منزه أو مقدس عن الخطأ أو الزلل أو النكوص ..
خاصةً أولئك الذين اهتدوا إلى طريقهم .. وظنوا أنهم بذلك وضعوا لأنفسم قدماً بين السابقين فى هذا الطريق .. وأنهم قد وصلوا إلى غايتهم ..!
لا يدرون أنهم بذلك قد بدأوا فقط السير فى طريق ملتوٍ وأرض متهاوية ورياح عاصفة تزلزل كل ما حولها ..
وقلما تجد فى هذا الطريق من يصحبك معه أو يعينك على المسير .. وإنما همهم الأول وشغلهم الشاغل أن ينجو هم بأنفسهم .. وأن يعبروا ذلك الطريق بسلام ..
ولكن إذا وجدت ذلك الشخص فتمسك به ولا تفلته من يديك .. وتذكر أنك أنت بحاجة إليه !
لا تتكبر ..ولا تغتر بحالك ..وتظن أنك قادرٌ على السير والمضى وحدك .. ولا ترد يده إن هو مدها إليك ..
فلربما هو عونٌ إلهى أمدك الله به فى صورة بشر !!
وحاول فى طريقك أن تتلمس الأثر .. وتقفو خطوات السابقين .. فإن فى بعضها منجاة بحق !

  ولكن دعونى أحدثكم الآن عن الانتكاسة ..ونفرد تفصيلاتها ولكن بشىء من الإجمال :
أولاً ..مفهوم الانتكاسة هو تغير الحال وانقلابه من الحسن إلى السئ
ثانيا .. تشمل هذه الكلمة الكثير .. انتكاسة فى المرض _العضوى منه والنفسى_ ،، فى طلب العلم أو العمل ،، فى الهداية والتوبة إلى الله ،، فى العلاقات الإنسانية والمشاعر كالحب والصداقة .. وكل هذا بدوره سينعكس بالطبع فى صورة انتكاسة فى السلوك والتعامل ..
 ثالثاً .. بالطبع لكل حالة دوافعها الخاصة ومبرراتها .. ولكن فى محاولة للبحث عن القاسم المشترك الأكبر بين كل الأنواع باختلافها _بعيدا عن انتكاسة المرض العضوى_ رأيت أن السبب الرئيسى يرجع للشخص نفسه أكثر ما يرجع إلى الظروف المحيطة التى تغيرت من حوله ..
فالشخص الذى يصيبه الفتور وضعف الإرادة والمقاومة وفقدان الشغف فى أى من تلك الحالات السابقة هو الأكثر عرضه للانتكاس.. فيعود لمرضه النفسى السابق .. أو يتخاذل ويتكاسل فى طلب علمه وعمله .. أو يعود لذنبه بعد توبته .. أو ينهى علاقاته بأحبائه وأصدقائه ويبتعد عنهم ..
لكن لا يزال حتى الآن السؤال يطرح ذاته ويُلح علينا ما الذى يدفع الإنسان من الأصل لهذا الشعور .. الفتور وفقدان الشغف ؟؟!
الحقيقة أنها تنوعت الأسباب والنتيجة واحدة ..
_قد يكون كثرة المعوقات بالطريق والانشغال بها عن  غايتك الاكبر
_أو قد يكون وضع غاية خطأ من الأساس .. كأن تكون أعلى من قدراتنا بكثيير .. أو يكون تعلق بشئ زائف ،سراب سرعان ما يزول
_قد يكون طول الطريق واستشعار صعوبة الوصول للنهاية
_قد يكون كثرة الاجهاد مع تحصيل قليل .. وذلك لأنه ليس علينا فقط أن نعمل .. وإنما يجب علينا أن نعمل بذكاء
_قد يكون طول الأمل والركون إلى الزمن والاطمئان إلى الحياة الدنيا
_قد يكون عدم إيجادنا لمن يصحبنا فى الطريق .. أو حتى أثاراً نقفوها للسابقين
_قد يكون كثرة العطاء مع عدم وجود مقابل _ولو على الأقل تقدير من الأشخاص_ مما قد يجعلنا غير قادرين على العطاء كما من قبل
_قد يكون فقدان لأشخاص كانوا داعمين لنا بصدق .. 
_أو على العكس قد يكون ظهور شخص ذو أثر سلبى ما فى حياتنا يظهر الجانب المظلم منا ويسحبنا لطريق لم نكن لنسلكه من قبل ..
_أو قد يكون ابتعادك عن طريق الله عزوحل فتركت للشيطان باباً داخلك مفتوحاً ليلج إليك منه ويُبديَّ لك ما وُريَّ عنك من سوءات نفسك .. 

لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك ولكن بالطبع هناك مئات الأسباب التى قد تؤدى بنا فى النهاية إلى فقدان الشغف بالغاية التى نسعى لأجلها ..!

رابعا .. نتائج هذه الحالة التى نصل إليها أو  نستشعرها داخل أنفسنا هى ترك الزمام فجأة .. الزمام الذى كنا نحرك به أنفسنا ونقودها تجاه تلك الغاية ..
تخيل ماذا يمكن أن يحدث عندما تترك حصاناً هائجا فجأة بلا زمام .. !!
سيهيم بك فى كل وادٍ .. فى كل طريق .. لا يعرف إلى أين يسير .. سيضطرب .. وتضطرب انت معه .. وتتشت الرؤية أمامك .. وتضل الطريق .. وتقف فى المنتصف عاجزا عن التقدم خطوة أخرى للأمام .. متحيرا متخبطاً فى أفكارك ..
وبعد أن كان هدفك واضح تماماً وطريقك محدد فى ذهنك لا يعتريه الضباب .. أصبحت الآن ترى فى ذهنك أكثر من طريق يدعوك للسير ففيه ويزين لك أوله حتى تنجذب إليه .. فتتشت فى داخلك وتصخب الأصوات فى نفسك كل يختار طريق ..!!
 هذه الفترة ستقضى فيها طورا  من حياتك ليس بالقليل ابدااا .. وقد تظل هكذا ثم تعودك لطريقك من جديد .. أو قد تختار طريقا خاطئا تتيه فيه قدرا أكبر من حياتك .. وقد منه تعود وقد لا تعود !!

وهذا سيدفعنى إلى أن أصحبكم معى فى طريق العودة:

لتعلم أيضاً يا صديقى أن عودتك .. تتوقف عليك أنت أولاً وعلى اختيارك 
هل ستختار الاستسلام لما أنت عليه ولما آلت إليه أمورك .. أم ستحاول أن تقاوم .. أن تستعيد السيطرة على زمام  حياتك تقودها كما تريد .. كما ينبغى أن تكون .. لا كما تريد لها الأهواء ..
هل ستختار طلب المساعدة أم ستستكبر عنها ..!
لكن صدقنى سيطلب العون وبشدة من يريد حقاً خلاص نفسه من الحالة التى هى عالقة بها ..
وحدك لن تستطيع .. لأنك داخل الدائرة .. لا تراها بحجمها الحقيقى وإنما تتيه فى دوارنها الذى يُفضى إلى اللاشئ ..
واعلم أن قراراك واختيارك هذا يعود لشخصيتك بالأصل .. لجوهر روحك الذى أنت عليه فعلا .. 
فظروف الحياة قد تطفئ لمعان اللؤلؤ وتخفى بريقه .. لكنها ابدا لن تغير من تكوينه الأساسى ..
وكذلك الطلاء قد يجمل الشكل من الخارج .. لكنه ابدا لن يغير تكوينه الأساسي إن كان سيئا من الأصل..

فابحث عن أصل روحك وجوهرك .. ثم ابدأ فى طلب العون .. 
وهنا يأتى السؤال ..ممن إذا سنطلب العون ..؟؟
أولا .. الله .. مجرد إيمانك بوجود قوة أكبر منك وأقدر منك وأعلم منك .. سيمدك تلقائياً أيضاً بالقوة ..
تحدث إلى الله .. أخرج كل مخاوفك وأوجاعك وتشتت أفكارك أمامه .. تحدث وأنت على يقين أنه يسمعك .. أنه يراك من داخلك قبل خارجك .. اسأله أن يعينك .. أن يهديك الطريق .. أن يبعد عنك شتاتك .. ويقيل عثارك ..
ثانيا .. نفسك .. استمع إلى حديث نفسك وصارحها .. أحتويها ولا تقسو عليها ..عاملها وكأنها طفلتك التى تُربيها .. أعطها دفعات إيجابية .. أخبرها أنها قوية وذكية وقادرة على الخروج مما هى فيه .. تعرف إلى محاسنك ونقاط قواك واستغلها .. وتعرف إلى أخطائك التى ارتكبتها وحاول أن تسامح نفسك عليك وتتصالح معها ..فإنك بهذا تكسب نفسك وتجعلها طيعة لك حين تريد إصلاحها وقيادتها من جديد 
ثالثاً .. الناس .. ابحث عن من يحبك بصدق .. ابحث عن من ترتاح معه .. ابحث عن من تعجبك أفكاره وأسلوب حواره .. ابحث عن أناس ذو خبره بما أنت فيه ومروا به من قبل ..ابحث عن من يدعمك بكلامه وأفعاله ..  باختصار ابحث عن أى أحد من أهلك ،أصدقائك ،مدرسينك ،أناس تراهم قدوة لك فى حياتك ،طبيبك النفسى ..... المهم أن تجد من يعينك على هدفك الماثل أمامك الآن .. وهو الخروج مما أنت فيه !! 

حاول أن تسعى من خلال هذه الوسائل الثلاث .. سيستغرق الأمر وقتاً لا بأس به .. لكنه سيمضى مُعلماً إياك دروساً كثيرة ..
لكنك إن لم تعد .. فاعلم أن نفسك ليست مهيئة بعد للعودة .. ولا زال ينقصها الكثير .. فحاول من جديد ..
وتذكر دوما يا صديقى .. أنك مادمت عازماً على السير .. حتماً ستصل .. وعن غايتك لن تحيد !


Friday, 16 December 2016

عجوزٌ فى العشرين


بقلم "هبة الدعوشى" :

وكانت هى مخلوقة بشرية من نوعٍ ما "غريب " .. مُختـلِف لكنه مُؤتـلِف ..
كانت من حيث عدد السنين الأرضية الظاهرة : فى العشرين من عمرها .. ومن حيث عدد السنين العقلية الباطنة : تَفُوق ذلك بكثيـــر.. تَفُوقه حد الهِرَم .. فاستحقت بجدارة ذلك اللقب " عجوزٌ عشرينية "
كانت لها هيئة فتاة كما يُقال " فى ريعان شبابها " ..
لكنها تملك قلباً طفولياً متشبثاً بذكرياته الطفولية البريئة وأحلامه الجريئة ويلاحقها فى كل مكانٍ وزمانٍ خشية أن يسلبه الزمن إياها ، فينساها ..
وتملك فى الوقت ذاته عقلاً ناضجاً تخطى زمنه سريعاً .. وتعلم كثيراً ومريراً من خبراته التى خاضها فى زحام دنياه ، بل و زاد عليها من خِبرات دنيا من سواه ..
إما بدقة ملاحظته لمن حوله فى زمنه وإما بإطلاعه عليها فى مخطوطات كتابية و روايات شفهية خلفها الزمن الماضى أثراً لهم ..

كان تنظر إلى أمور الحياة دوماً بشكل مختلف .. تنظر إليها بشكل شمولى تأخذ فيه ظاهره الذى يراه _تقريباً_ الجميع ،وباطنه الذى قد يخفى على الكثير ..
ثم تعقد المقارنة ما بين هذا وذاك وتحلل تفصيلاته وتنظر فى أبعاده .. ودوافع الأفعال ونتائجها .. وكوامن الشعور وظاهرها .. جاهدة فى أن تصل إلى حكم صائب على الأمر الذى أمامها دون أن تجور على أحد أو حتى على شئ .. فهى بقدر ما تكره الظلم بقدر ما تخشى أن تكون أحد أسبابه يوماً ما ..
ولكنها تعود وتذكر أن الإنسان بطبعه " ظلوماً جهولا" .. فتستغفر كثيراً كثيراً بحرقة وألم لما قد يكون صدر منها ساعةً ما من ظلم لغيرها أو لنفسها وهى لا تلقى له بالاً ..

كما كان عقلها دائماً مُثقلٌ بأفكاره كذلك كان قلبها مُثقلٌ بشعوره ..
كانت بقلبها وحبها اللاحدودى للغير تشعر بأنه قد يستطيع أن يسع كل هذا الكون .. كل هذا الزمن الذى تحياه والزمن من قبلها ومن بعدها ..
كانت تحب بصدق وبلا انتظار أى مقابل سوى أن ترى الآخر بخير .. تحب العطاء وتعشق حماية من تحب والدفاع عنهم والخوف عليهم .. وللتضحية عندها معنى راسخٌ فى قلبها لا يحتاج سوى موقف بسيط  يستحثه ليتجسد قوياً صادقاً فى فعلها..
حتى أنها كانت تشعر بهذا الحب الغريب تجاه بعض العابرون فى الطريق والذى قد لا تلتقيهم ابداً مرة أخرى فى حياتها ..
وكان من أحب الناس إليها ..هى أمها ..
كانت ناضجة أمام الجميع ولكن طفلةٌ صغيرة بين ذراعى أمها .. تتشبث بيدها حين تتعثر.. تحب أن تسير خلفها على خطاها حيناً وإلى جانبها حيناً آخر ..  لكنها كانت قليلاً ما تحب الركض أمامها بعيداً كانت تخشى إن فعلت ذلك أن تنظر خلفها فلا تجدها وتجد نفسها دونها وحيدة ..
وبالطبع كان للأطفال عنددها مكانة خاصة .. بعيداً عن حب مدعابتهم ومضاحكتهم أو إحساس الأمومة تجاههم _والذى يُميز تقريباً أغلب الفتيات منذ صغرهم_ كانت دائماً نظرتها للأطفال مصحوبة بالشفقة .. !
كانت تشفق على برائتهم كثيراً أن يبددها الواقع حين يدركوه .. وعلى ابتسامتهم البريئة أن" تدفنها الحياة " ،فلا يظل منها سوى ذكرى فى ماضيهم البعيد ..
وابتسم بتعجب سُخرىّ حين آرانى كتبت .." تدفنها الحياة " !
واتذكر قول درويش هنا: " فإن أسباب الوفاة كثيرة ، من بينها وجع الحياة "

لم تكن ابداً تُحب أن تعيش لنفسها .. كانت بعقلها وقلبها تحمل هم أُمتها من حولها .. تنشغل بأمورها كثيراً وتفكر كيف يمكن أن تؤدى دوراً من أجلها ..

كانت تخشى كثيراً أن تنتكس يوماً عن طريقها ..
تخشي كثيراً أن يغيرها الواقع من حولها لشخص لا ترغبه ..
تجاهد نفسها .. عقلها وقلبها ..
تحاول دائما أن تردهما إلى الله كلما ضلا أو تاها ..
تحاول
وتحاول
وتحاول ..

ولا تتمنى شيئاً أكثر من أن تُنهى حياتها فى سلام ..
أن تغادر الدنيا بأقل قدر من الخطايا ..
وأن تترك للناس من بعدها إرثاً حسنا ..
وذِكراً عذباً رقيقاً..

فهلّا أعنتها يا الله ..!