أقسام المدونة

Saturday, 9 July 2016

الألم أمرُ نسبيّ


بقلم "هبة الدعوشى" :

ما أكثر ما نمر به من ألم .. وما أعجب قدراتنا على تحمل صوره المختلفة !
الشعور بالألم يتفاوت كثيراً بين شخص وآخر .. بل ويتفاوت بين أمر وآخر للشخص الواحد ذاته ..
فسيولوجياً هذا ممكن بسبب بعض المواد الكيميائية التى تُفرز فى الجسم وأنظمة معينة للتحكم فى هذا الشعور بالألم الجسدى ..
أما نفسياً وشعورياً وسيكولوجياً أعثقد بأن الأمر أكثر تعقيداً وأبلغ تأثيراً بالنسبة للألم الروحى ..

كيف يكون هناك إنسان مصابه بسيط جداً ولكنه يضيق به ويجزع ؟!
وآخر مصابه أعظم وأشد ويتحلى الصبر والصمود أمامه ؟!
وهذا الإنسان الصامد متى تخور قواه ويضعف أمام الألم ؟!
وذاك الإنسان الجزع متى سيشتد عوده ويقوى على المواجهة ؟!
كل هذه الأسئلة وأكثر تجول بخاطرك إذا تأملت الأمر قليلاً ..

فى رأى أن هناك بعض العوامل التى تتحكم فى ذلك ..

أولاً : رؤيتنا للأمور
نحن لسنا طوال الوقت فى ألم ولسنا واقعين تحت وطأة الضغوط والمشاكل والهموم طوال عمرنا من يوم خُلقنا إلى موتنا _هذا الاعتقاد عليه أن يكون دائماً حاضراً فى ذهننا وعياً ولاوعياً _وعليه فإن أى نازلة تحل بنا أو ألم يصيبنا هو أمرٌ عارض وحتما سيمضى ويزول مهما استغرق من وقت ..وأن ما حدث أمورٌ قدرية وليس هذا منّا وحدنا ولكن أيضاً مما حولنا .. فقط كل ما علينا فعله هو معرفه كيفية التعامل معه والصمود أمامه .. وليس بالضرورة أن نغلبه وننتصر عليه .. فالنصر كثيراً ما يكون فى فكرة المقاومة فى حد ذاتها وليس الفوز بالضرورة .. فنحن كثيراً ما قد نعجز عن تغيير ما حولنا ،ولا نملك من قانونه شيئاً .. ولكن نستطيع أن نغيرأنفسنا ونملك قانون أنفسنا من الثبات والتوازن والاهتداء إلى القصد والنجاة رُغم ما حولنا _ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا _ ..
كما يقول الرافعى "فلا يعتبن الإنسان على الدنيا وأحكامها .. ولكن فليجتهد أن يحكم نفسه "

ثانياً: طبيعة شخصيتنا
أعتقد أن هذا الأمر بالوراثة أو بالفطرة التى يولد بها الإنسان .. وأن الله يهبها للإنسان بقدر .. ولكنها أيضاً تعتمد بصورة كبيرة على التربية والتنشئة الصحيحة القوية فى الصغر ..
فكُلّما ازدادت قوتنا الداخلية واشتدت إرادتنا كُلّما ازدادنا مقدرة على الصمود أمام ما يواجهنا .. ولكن ليست تلك القوة الصلبة التى تنكسر إنما _تشبيها_ كقوة المطاط .. صلب ولكنه أيضا يمكن أن ينثنى أحيانا ..
وكُلّما ازدادنا رزانة ورجاحة عقل وفى الوقت ذاته سرعة بديهة وإدراك للأمور كُلّما ازدادنا مقدرة على التفكير السليم بصورة تفصيلية وشاملة فى آن واحد .. بنظرة قريبة وأخرى بعيدة فى الوقت ذاته ..

الألم يَصقِلُنا وينحِتُنا تماماً كما يفعل النحّات ولكن الفرق أن ذلك فعله من الخارج بينما الألم فعله من الداخل ،، الألم يغيرنا حتماً ولا نعود بعده ابداً كما كنا ،، والحكمة هنا تكمُن فى نوع التغيير الذى ستصير إليه .. وهذا هو ما يكون فعل عقلك وقلبك ..
فلا تجعل الألم يغيرك ويبدلك وفق هواه .. 
وأملك زمام أمرك ..

ثالثا :التعلق بالله
وفى هذا العنوان الكثير مما يمكن أن يقال ..
وسأكتفى باقتباسة رقيقة من كتاب "Reclaim your heart / استرجع قلبك "
" الألم هو علامة لتعلقنا بما هو غير حقيقى ومزيف ،وبما هو مصدر للحزن والمعاناة ،وكل ما نتعلق به من أمور قد تتحول فى نهاية المطاف إلى عوائق تعترض طريقنا إلى الله عز وجل . إلا أن الألم بحد ذاته إشارة ندرك من خلالها بطلان ما تعلقنا به من دون الله عز وجل . الألم يوجد حالة فى حياتنا نسعى إلى تغييرها وبالتالى إذا كان هناك أى شئ له صلة بحالتنا لا يعجبنا وأردنا القيام بتغييره فهنالك معادلة إلهية للقيام بذلك فى قوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) "

رابعاً :الغاية
دائماً ما يكون الأمل أو الغاية التى نسعى إليها هى المحرك الأساسى والدافع الحقيقى لنا .. وهى التى تعينا على تحمل متاعب الطريق وصعابه من أجل النجاح فى الوصول لهذه الغاية .. وتخفف وتهون كثيرا من وطأة الألم على نفوسنا  ..

فخلاصة كلامى هذا أن ما تقدر عليه أنت وتتحمل ألمه قد لا يقدر عليه غيرك ،، وما لا تطيق به نفسك وتجزع منه قد يصطبر عليه غيرك .. وأن صبرك وتحملك للألم لا يمكن أن يدوم للأبد فأحياناً نضعف ونسقط .. وأن جزعك كذلك لا يجب أن يدوم بل عليه أن يتبدل صبراً وصموداً ..
فلنترفق بأنفسنا حين نضعف ونسقط ولا نكلف أنفسنا فوق طاقتها فليس المهم هو ألا نسقط ولكن المهم أن ننهض من جديد وقوفاً إذا سقطنا .. ونجاهد حتى يشتد عودنا ليصمد ويتحمل ..ولكن لا بأس من بعض المرونة حتى لا ينكسر هذا العود تماماً ..
ولنترفق بغيرنا ونلتمس له الأعذار حين لا يقوى على تحمّل ألماً ما ولنشُدّ من أزره ونكوناً عوناً له .. ونقوّى بعضنا بعضاً ونداوى جروحنا ،ونكفكف دموعنا ،ونفكر فى مخرج لنا من آلامنا ،ونؤمن بربنا ونثق بقدراتنا ،ونُقدِمُ من جديد ..

فالطريق دائماً مفتوح أمامك .. ولن ينتهى إلّا بإنتهائك ..



Thursday, 26 May 2016

فلسطين .. طريق واحد

أريدُ بندقيّه..
خاتمُ أمّي بعتهُ
من أجلِ بندقيه
محفظتي رهنتُها
من أجلِ بندقيه..
اللغةُ التي بها درسنا
الكتبُ التي بها قرأنا..
قصائدُ الشعرِ التي حفظنا
ليست تساوي درهماً..
أمامَ بندقيه..
أصبحَ عندي الآنَ بندقيه..
إلى فلسطينَ خذوني معكم
إلى ربىً حزينةٍ كوجهِ مجدليّه
إلى القبابِ الخضرِ.. والحجارةِ النبيّه
عشرونَ عاماً.. وأنا
أبحثُ عن أرضٍ وعن هويّه
أبحثُ عن بيتي الذي هناك
عن وطني المحاطِ بالأسلاك
أبحثُ عن طفولتي..
وعن رفاقِ حارتي..
عن كتبي.. عن صوري..
عن كلِّ ركنٍ دافئٍ.. وكلِّ مزهريّه..
أصبحَ عندي الآنَ بندقيّه
إلى فلسطينَ خذوني معكم
يا أيّها الرجال..
أريدُ أن أعيشَ أو أموتَ كالرجال
أريدُ.. أن أنبتَ في ترابها
زيتونةً، أو حقلَ برتقال..
أو زهرةً شذيّه
قولوا.. لمن يسألُ عن قضيّتي
بارودتي.. صارت هي القضيّه..
أصبحَ عندي الآنَ بندقيّه..
أصبحتُ في قائمةِ الثوّار
أفترشُ الأشواكَ والغبار
وألبسُ المنيّه..
مشيئةُ الأقدارِ لا تردُّني
أنا الذي أغيّرُ الأقدار
يا أيّها الثوار..
في القدسِ، في الخليلِ،
في بيسانَ، في الأغوار..
في بيتِ لحمٍ، حيثُ كنتم أيّها الأحرار
تقدموا..
تقدموا..
فقصةُ السلام مسرحيّه..
والعدلُ مسرحيّه..
إلى فلسطينَ طريقٌ واحدٌ
يمرُّ من فوهةِ بندقيّه..

"نزار قبّانى"

من أحب قصائد نزار إلىّ .. 
وأحب أن أستمع إلى جزء من القصيدة بصوت مى نصر :
https://soundcloud.com/ahmed-jarada/fmcdxynueyg0

Thursday, 12 May 2016

على مقعدٍ خالٍ


بقلم "هبة الدعوشى" :

وحين يتصادف لقائى بأحد هذه المقاعد الخالية ، ويأذن الوقت لى بالجلوس عليه قليلاً ..
فى بادئ الأمر قد أنشغل بما فى يدى ، أو التقط بعض أنفاسى إن كنت متعبة ، أو اقرأ فى كتابٍ أحمله معى .. أو أُنهى حديثاً مع أحدهم ..
ثم رويداً رويداً .. ابدأ بالانسحاب من هذا العالم ..
وأشرع فى الإبحار فى أفكارى .. أفكارى تلك التى إن دخل أحدٌ إليها لا يستطيع ابداً الرجوع منها ..
فهى كدوامةٍ تسحب وتسحب ولا فكاك منها أو خلاص ..
ومن أولى الأفكار التى تأتينى تقريباً كمقدمة فى كل مرة ، أستهل بها باقى الأفكار ، هى :
" تُرى من مرّ قبلى على هذا المقعد وجلس عليه ، ومن سيأتى بعدى ، وفيما كانوا يتحدثون أو يفكرون ، وفيما سوف يكون ، وتُرى كيف كان حال هذا المقعد منذ سنين بل منذ قرون هل كان موجودٌ هكذا ،وإن لم يكن .. فماذا كان هناك بدلاًَ منه ؟! ... "
وأظل هكذا أتنقل فى أفكارى مابين الحاضر والماضى والمستقبل .. وأغوص ، بل أغرق فى فكرة الزمن والوقت والبداية والنهاية وماذا صار ؟ وماذا سيصير؟
ثم أنظر إلى حالى متأملة .. متسألة .. ها أنا الآن موجودة _كما يعتقد عقلى_ .. ولكن ماذا بعد ؟! ماذا سيكون حال أمرى .. هل هو الموت أم العدم ؟
وأرى أحدكم يتعجب قائلاً.. وهل هناك فرق !

طبعاً بلا شك فرقٌ شاسع ..
فالعدم واضح المعنى إلى حدٍ كبير..

عدمية الشئ تعنى أنه ليس بكائن على الإطلاق ،تعنى إنه ماكان يوماً ولا سيكون 
أنه لا ثواب ولا عقاب .. وكأن ما عشته من عمرٍبأكمله ضاع هباءً ..
،وأن ما فعله ذات يوم سيختفى ولا يبقى منه حتى أثر ..  
وأنك حتى ستُمحى من ذاكرة الآخرين ..
كما يقول درويش " تُنسى كأنك لم تكن .. خبراً ولا أثراً وتُنسى "
لكم هو مرعب هذا التصور !!

أما بالنسبة للموت .. فهو معنى آخر، يملأه الغموض ،ويكتنفه الغيب..
بالرغم ما جاء لنا من ذكره فى ديننا ،إما بقول الله عزوجل ،وإما ما أخبر به الحبيب صلى الله عليه وسلم .. 
سيظل الموت باباً يفضى إلى طريقٍ سمعت عنه ، لكنك ابداً ما سمعت منه ..
طريقٍ لا يمكن لك أن تنهل من خبرات السابقين فيه .. بل على كلٍ منا أن يخوض التجربة بمفرده حتماً ولا فرار .. وأن يختبره وحده ..
طريقٍ لا رفيق فيه ولا حبيب ..
ولا يعينك فيه سوى زادك الذى تحمله .. وعملك الذى كنت تعمله ..
طريقٍ نهايته الخلود .. والخلود إما نعيم وإما جحيم ..
ولكم عجيب أن تجتمع الكلمتين معاً "نهاية" و "خلود" .. كيف يكون هذا ؟!
يعجز العقل عن إدراك معنى الخلود لأنه لم يختبره يوماً من قبل ..
فكل شئٍ فى هذه الدنيا قائمٌ على الفناء .. منه وإليه ..
لكم أيضاُ مرعب هذا !!

ولكن طبيعة الرعب تختلف ..
فأما رُعب العدم .. فهو لشعورك بإنك ما كنت يوماً .. وبأن كل الذى تحياه هراء .. فتقول لِمَ أعيش كل هذه الحياة بأفراحها وأتراحها ..بانتصارتها وانكسارتها ..  وانا يوماً سأنعدم .. وانا يوماً لن أكون .. فتنجرف النفس لحالةٍ من اللا شئ .. وشعورٍ باللا شعور .. وتسقط فى هوة من الفراغ لا تدرى لها من قرار .. 
وأما رُعب الموت .. فهو رعب يصحبه الأمل ويتحكم به الباعث .. أمل يشوبه الإشفاق فى معرفة ما هذا الموت وسكراته وماذا بعد الموت من الحشر ويوم القيامة وأهواله .. وكيف سيكون معنى ذلك الخلود .. وفيمَ سنخلّد ؟ .. فى الوعد أم الوعيد ؟ ..
أما الباعث_ أى الدافع الذى كان وراء كل عمل وقول قمت به_ فاعلم إنه هو زادك الوحيد وإنه وحده الذى سينجيك إن كان صالحاً ..متجرداً .. مؤمناً وتقياً ..
أو يهلكك والعياذ بالله إن كان فاسداً ..

أما الأمر الذى لا زالت أفكر فيه .. هو كيف سيكون الأمر إن حدث الاثنين معاً ..  
الموت والعدم ؟!
 يا للأسف إن نحن متنا وفى ذات الوقت انعدمنا!

لكن حين أتطلع فى أمم السابقين .. والقرون الغابرة ..
أتيقن بأنه وحده الذى صنع شيئاً.. وحده الذى ترك بصمته .. لم ولن ينعدم .

الآن أوقن يا رفاق .. بأن الموت حتمى .. 
ولكن العدم اختيار ..!



Thursday, 5 May 2016

شهباء قلبى


ماذا عساى أن أقول حبيبتى ..
ماذا عساى أن أفعل لكِ ..
والظلم المشين قد أحاط بكِ ..
والدم الزكى أنهاراً فيما بينكِ..
دموع عينى جارية ..
ويضيق صدرى بأنفاسىًّ..
وعجزى يكاد يفتك بىًّ .. 
ولا أملك لكِ .. سوى مناجاة ربىًّ..
 ......

حبيبتى حلب مهما كتبت من خواطر وكلمات رثاء فى حقك فإنها لا تساوى شيئاً إذا ما قُورنت بما يعتمل فى نفسى من الألم ..
حتى إن كلمة ألم ذاتها باتت عاجزة تماماً .. ولا أعلم إذا كان فى مفردات اللغة ما يمكنه وصف ما بى ..

الأحداث الأخيرة بـ "حلب" ذكرتنى بمذبحة الكيماوى بالغوطة الشرقية فى أغسطس 2013 .. والتى كانت جريمة من أبشع ما يكون بحق الإنسانية .. بحق الطفولة .. بحق الحياة .. وكل المذابح والجرائم التى ارتكبت فى حق هؤلاء البشر .. فى حق إخواننا السوريين ..
وهذا لا يعنى أنى كنت قد نسيتها .. أنا ابداً لم أنساها _ولن بإذن الله_ .. ولكنه كعادة الحزن والألم يأبى دائماً أن يأتى وحده وإنما يجُرّ معه كل آلام الماضى وأوجاعه ويُحييها من جديد ..!  


والله ما عدت أعلم على من يكون بكائى وحزنى 
على موطن جسدى "مصر"
أم موطن قلبى "سوريا"
أم موطن روحى "فلسطين" !
حقاً كان يلزمنا قلوبٌ أكبر كى تتسع لكل هذا الأسى ..
.....

أسألكم الدعاء لإخواننا فى سوريا 
استحلفكم بالله ادعوا لهم كثيراً
عساه يشفع لنا فى تقصيرنا
وادعوا الله لى أن يستجيب منى دعائى
وأن يستعملنى ولا يستبدلنى 
وأن يُسخّر علمى وعملى لمدواة الجرحى 
وتطبيب آلامهم وإنقاذ أرواحهم 
وأن يختم لى عمرى وأنا أؤدى عملى هذا
فى سبيله خالصاً لوجه الكريم ..  

......



"هبه الدعوشى" 

Tuesday, 3 May 2016

يا سالكين الدرب


الله كان ولا شئٌ سِواه .. 
بِلا بدءٍ ٍ ولا مُنتهىً , ربٌّ عبدناهُ
إن ضاق أمرٌ دعوناه .. 
وإن نزَلت بنا الشدائد عن قُربٍ سألناهُ

يا سالكين إليه الدرب لا تقِفوا .. 
طابَ الوصول لمحرومٍ تمنّاهُ
يا ربّ يا خير مأمولٍ .. وأكرم مسئول ..
 وأعظم مقصودٍ قصدناهُ

رُحماك رُحماك رُحماك ..
 لا تحرم عبادك من رضاك .. 
وامنحهُمُ ما أنت ترضاهُ

يا ربّ هيّئ لنا من أمرنا رَشَداً .. 
يهدي إلى الحق ..
من ضلّوا.. ومن تاهوا ..


"للشيخ/نصر الدين طوبار"



للاستماع:

Friday, 29 April 2016

كما لو كان مصرياً


أعلم بأن حادثة مقتل الطالب الإيطالى "جوليو ريجيني" قد تناولها الكثير بتعليقاتهم وآرائهم  .. وبأن أى كلام يمكننى قوله قد يكون مكرراً ومعاداً ولا جديد فيه ..
ولكن هذا لا يهم .. وليس بالأمر الذى يعنينى .. فإنما أنا أقول وأكتب لا لشئ سوى محاولة إخراج ما داخلى من ألم وكمد على الورق .. الألم الذى ضَعُفت على مواجهته وحاولت تجنب التعليق على الأمر واكتفيت بمتابعة الحدث فى صمت طوال هذه المدة_منذ مقتله حتى الآن_ ..

ولا أعلم إذا كان سيُسعفنى القلم فى هذا أم أنه سيقف دون غايته ..
ولكنى عبثاً سأحاول ..!

أولاً: بالنسبة لحادثة مقتله وحيثياتها ليست بالجديد خاصةً فى وقتنا هذا .. فقد تكرر هذا الامر كثيراً فى الدول المضطربة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً إما بسبب تنظيمات متطرفة .. أو حكومات متطرفة .. أو كلاهما معاً .. فكلاهما سبب ونتيجة للآخر ..
واقرب مثال على هذا حادثة مقتل الصحفى "جيمس فولى " فى سوريا منذ عامين تقريباً ..
ولكن الاختلاف هنا هوأن "ريجينى" لم يكن صحفياً ولا مراسلاً ولا غيره _فأغلب الصحيفين والمراسلين فى أوقاتٍ كهذه يكونون مطاردين لأنهم يحاولون عرض الصورة وكشف الحقيقة على الملأ _ .. ولكنه كما قالت والدته كان طالباً فى جامعة كامبردج وجاء إلى مصر لدراساته البحثية عن الاقتصاد المصرى_وأعتقد أن هذا لا يروق أيضاً لحكومتنا _ ..
والاختلاف هنا أيضاً تَهّرُب الحكومة المصرية من توضيح مُلابسات الحادثة _ لأنها تعلم يقيناً أنها لا تملك شيئاً فى جعبتها _
بينما فى حادثة "جيمس" أعلن  تنظيم الدولة مسؤليته عنها _كما أُذيع ونشر على الشاشات_
ولكن الأكثر تأثيراً وأهمية من هذا كله .. هو " والدة ريجينى" التى قررت ألاّ تصمت وأصرت على أن تعرف حقيقة مقتل ابنها وصعدّت الأمر إلى الحد الذى قد يُودى بالعلاقات المصرية الإيطالية ..

ومن هنا أتطرق للنقطة الثانية التى أريد التعليق عليها ..
فأما ثانياً : هو قول "والدة جوليو ريجينى" فى البرلمان الإيطالى .. أنه فى فى حديثها مع أصدقائها المصريين _على حد قولها_ قالوا لها : "أنهم عذبوه وقتلوه كما لو كان مصرياً"  ...!
يا لوقع هذه الكمة فى نفسى .. يا له من ألم تعجز عن وصفه الكلمات..
فقط الصمت المفعم بغصة فى الحلق.. ووخزة فى الصدر هو الذى أصابنى حين سمعت هذه الجملة.. بل وملأ ذرات جسدى وكيانى كله ..
بالرغم أنى لم اتفاجئ من الكلمة .. إلا أنها كانت كماء النار .. سُكبت على جُرح مفتوح لا يندمل ..
فأجّجت فيه نار الألم ..!
أعلم أن دمائنا نحن المصريين باتت أرخص ما يكون .. وأن كرامتنا مهانة إلى أبعد الحدود .. وبأننا فى أوطاننا غرباء مستوحشون .. 
ولكننا رغم كل هذا نحاول أن نكون .. نحاول أن نتعايش .. وأن نبقى أحياء ما دامت الروح فينا .. وما أصبرك يا روح !
لكن عندما يأتى أحدهم ليذكّرك بهذا الأمر ..وأنت مكبلٌ بالعجز بفعل قبضتهم القمعية الخانقة .. تجد النفس من آلامها ما لا تطيق به .. 
وكثيراً ما أتعجب من هذا .. كيف بالرُغم من شده هذا الألم الذى يطبق على الأنفاس فيثقلها .. وعلى القلب فيبطئ دقاته .. كيف لا نموت .. كيف !!
ولكن لربما نحن بالفعل أموات ولكن موتى دونما كفن .. لربما !!
وتحضرنى هنا مقولة لبنجامين فرانكلين :
بعض الناس يموتون فى الخامسة و العشرين من العمر ، و لا يدفنون إلا عند الخامسة و السبعين"

أعتقد أن هذه الجملة أكثر ما تنطبق هى علينا نحن أبناء هذا الوطن العربى البائس ..!


لا أعلم صدقاً من أرثي ؟!.
هل أرثي موت " ريجينى" .. أم موتانا نحن المصرين فى المعتقلات ..
أم أشباه الأحياء منهم خارج المعتقلات .. 

إنى لا أرثي حقاً موتى كل هذا العالم الحزين ..
بقدر ما أرثي من لا زال منه على قيد الأرض _ولا أقول على قيد الحياة_ ..


ولكنى فى النهاية أقول كلمة محمود درويش:
"بى أمل يأتى ويذهب لكن لن أودعه"


وسيظل يقينى وإيمانى فى الله قوياً _بإذنه سبحانه_
حتى على الأقل إن نحن خسرنا الحياة الدنيا .. لا نخسر الآخرة..
"والآخرة خيرٌ وأبقى"



هذا الرابط لمن يريد سماع كلمة والدة "ريجينى" فى البرلمان الإيطالى..

https://www.youtube.com/watch?v=V-oyFijYl2s




"هبه الدعوشى"

حديث نفس




بقلم "هبة الدعوشى" :

كثيرا ما كنت أمتنع عن وصف نفسى بالكلمات حين أُسأل ذلك .. خشية عُجب النفس وإرضاء ال "أنا" ..
وكنت أترك ذلك لمن حولي تجبناً لما قد يكون مدخلاً لشياطنى ،،
وفى بعض الأحيان فضولا ً في أن أعلم رأيهم عني في ما بدر منى ..
فكنت أجد منهم من يَصدُق في كلامه لا يُجمّل ولا يُقبّح ،،
فإن كان من ميزات فبالصدق يمدح ،وإن كان من عيوب فبالحب ينصح ..
وهم الرائعون حقاً.. وهم قلة جدا من المقربون ..
أما غير ذلك فقد وجدت من يبخس .. ومن يُزيد..ومن يعتقد بما ليس في  ..

فكنت اتأكد يوما تلو الآخر أن لا أحد من البشر أعلم بأحدٍ كما هو المرء بذاته ..فهو يعلم كنهه وما يسكن باطنه جيدا..فيدرك ماهي اهتماماته والاشياء التي تعنيه ،،ويعلم غايته ويبحث عن سبل الوصول إليها .. ويعلم ماذا يريد لنفسه ويتمنى للأخرين وكيف يريد أن يقضي حياته وفيما يريد أن ينفقها ..إلي غير ذلك ..

ولكنى أيضاً أوقن بأن هناك من هو أعلم بالنفس من صاحبها .. وهو "خالقها" الذى أوجدها من العدم ونفخ فيها من روحه .. وهو الذى يعلم مستقرها ومستودعها ويعلم خيرهاوشرها.. وسرها وجهرها ..
فحين يعجز الإنسان عن إدارك ذاته ويشعر بأنه قد ضل أو تاه أو تشابكت أمامه الطرق وتداخلت عليه الأمور ..
فليرد روحه إلى مردها الأصلي وليتلجأ إلي الله ويناجيه ويبثه ما ضمر فى داخله .. ويتيقن أنه لن يخذله حين يسأله الهدي والرشد والعزيمة ولن يرده ما دام يُلح في السؤال ..
ولكن عليه دائما السعى والعمل فالدعاء وحده دون عمل وجهاد في الطريق إلي مبتغاه لن يجعله يصل ... فالله يريدنا دائما أن نسعي إليه السبيل ..
وحينها هو وحده سيقوى ضعفنا..
ويشد من عزمنا ويوارى عجزنا ..
ويكمل نقصنا ويتجاوز عن تقصيرنا..
ويجبر كسرنا ويضمد جرحنا ويربط علي قلوبنا ..
ويُنير دربنا ..
فقط سيروا.. 
سيروا ولا تقفوا .. 
وجاهدوا فى الله حق جهاده .. 
واجعلوا قلوبكم مع الله ..